الاثنين، أغسطس 23، 2010

Reverse Selection

الانتخاب العكسي:

(1) مشكلة ابن الناظر


 

الانتخاب هو ظاهرة طبيعية جاءت من رحم ظاهرة أكبر، وهي ظاهرة التطور التي فرضتها القوانين الأساسية للكون. ما هو التطور Evolution؟ هو عملية تغير في صفات مجموعة من أعضاء أحد الأنواع، تحدث وتتراكم مع الزمن عبر الأجيال المتتابعة، من خلال تحورات وتغيرات وأخطاء في الاستنساخ الطبيعي للجينات، ينتج عنها قفزات جينية، تفرز أنواعاً مختلفة، وتدريجياً، تبقى الأنواع الأصلح بينما تفنى وتنقرض أنواع أخرى لم تتوافق بنفس الدرجة مع البيئة المحيطة. هل ظاهرة التطور والانتخاب الطبيعي مقصورة فقط على الكائنات الحية؟ أبداً. ظاهرة التطور تفرض نفسها بأشكال وآليات مختلفة في كل المجالات، من الاقتصاد والأسواق حيث تتطور الشركات والمنتجات بينما تتصارع على البقاء، للأنثروبولوجيا حيث تتطور المجتمعات والحضارات واللغات أيضاً بينما تتصارع على البقاء، وغيرهما من مجالات، ببساطة لأن التطور ينتج عن عمل القوانين الطبيعية وتفاعلها الدائم.

هل المجتمعات والحضارات في حالة صراع؟ نعم بكل أسف. الصراع أو التنافس حتى لو لم يكن محسوساً أو عنيفاً، فهو موجود على كل المستويات كظاهرة طبيعية تفرضها محدودية الموارد واتساع الطموحات والاحتياجات. فكل مجتمع مثلاً يحاول أن يعظم باستمرار من مستوى معيشة أفراده، بما يتطلب حسن إدارة الموارد الطبيعية النادرة الموجودة لديه، ومنها البشر كقوة عاملة يمكن أن تكون بالمقارنة بمجتمعات أخرى أقل أو أكثر مهارة أو قدرة على الخلق والإبداع والإدارة، ومن تلك الموارد أيضاً الأرض والمواد الخام والثروات الموجودة، كما يحاول كل مجتمع أن ينشر طريقة حياته وقيمه للمجتمعات الأخرى، بما يتيح له تأثير حضاري قيادي على الآخرين، كما يجتهد البعض في تطوير قدراته العسكرية والقتالية، سواء لأسباب دفاعية أو هجومية، كما يحاول أن يستفيد من الثروات الطبيعية والمنتجات البشرية للمجتمعات الأخرى بأقل مقابل ممكن. باختصار، جميع الدول والمجتمعات في حالة دائمة من التنافس، سواء على مستوى الأسواق أو المنتجات أو الشركات، أو القنوات الفضائية والأغاني والأفلام والكتب، أو الجامعات ومراكز البحث التي تتنافس فيما تفرزه من أبحاث أو نظريات فكرية وفلسفية تصدر في الكتب والدوريات، كما تتنافس المجتمعات على جذب العمالة الماهرة المنتجة، والعقول الخلاقة الواعدة، وهكذا.

ماذا يحدث عندما ندخل في منافسة كروية – مثلاً كأس العالم، بفريق سيء أو متوسط المستوى، نص لبة أو كل شنكان يعني؟ النتيجة الطبيعية أن "نترزع" نصف دستة أهداف في مرمانا في كل مباراة ويعود الفريق من دور الـ 32 مكسور الخاطر ونرمي باللوم على الحكام المرتشين أو نتشمع بنظرية أخرى من نظريات المؤامرة. لسبب ما، شاع في ثقافتنا حالة من تجاهل وتسفيه نظرية التطور وما تفرضه اعتبارات المنافسة والانتخاب في كل المجالات، لتحل محلها المحاباة، وهي كلمة مشتقة من الحب، ولكنه حب مريض ضال وضار، يضر صاحبه بل ويضر أيضاً من يحاول أن يفيده ذلك المحب الأحمق، عندما يحاول عبثاً أن يضع شخصاً ما في غير الموضع الذي يستحق. فنجد الأستاذ أو رئيس القسم مثلاً يحابي ابنه على حساب الطلبة المتفوقين، ونجد القوانين أو اللوائح تفصل لاصطناع أفضلية في التعيين في إحدى المهن لأبناء العاملين في تلك المهنة ... ، وهلم جرا.

ماذا يحدث عندما ندخل منافسة علمية بابن الناظر أو ابن وكيل الكلية أو ابن العميد أو حتى اللواء، ونترك الطلبة الموهوبين والمتفوقين بحسرتهم؟ نتحسر نحن بعد قليل على الخسارة الأكيدة، لأن ابن الناظر غالباً قد حصل على أعلى الدرجات في امتحانات النقل إكراماً من الأساتذة المنافقين لرئيسهم السيد الوالد - بتصعيد أحب الطلبة على قلب سيادته وأجملهم في عيونه هو والسيدة حرمه - وقد يكون الابن الحبيب رغم هذه المزايا العديدة دابة الله في برسيمه في الرياضيات والطبيعة والكيمياء، أو في أحسن الافتراضات ليس بالضرورة هو أفضل من يمثل المدرسة في المسابقات العلمية بعيداً عن مسابقات أكل البرسيم، خاصة عندما يكون حكامها من غير العاملين لدى الوالد أو الوالدة أو المؤتمرين بأمرهما. ماذا يحدث عندما ندخل في مسابقة على استضافة كأس العالم لكرة القدم في القاهرة، ونحن تحكمنا ثقافة لا تعترف بالتغيير ولا تحب التطور وتكره الانتخاب؟ نحصل على صفر متين من 24 صوت وتقام كأس العالم في جنوب أفريقيا. ماذا يحدث عندما نخوض مجموعة من الحروب أو الصراعات ونحن في نفس الوضع الذي يحابي البلهاء والسخفاء وأصحاب أعلى الأرصدة من السماجة والضحالة في المجتمع؟ نخسر معظمها أو كلها قبل أن تبدأ الحرب، لأن نتيجة الحرب، مثلها مثل نتيجة المباريات غالباً ما تحسم في مثل هذا الوضع قبل بدء اللقاء، دون الحاجة لعرافة أي أخطبوط ألماني.

الملخص هو أن الانتخاب ظاهرة طبيعية مرتبطة بالتغيير وبالتطور والبقاء للأصلح. ماذا يحدث عندما نطور (أو نزور - إذا جاز التعبير) نحن ثقافة ترفض التغيير، وتنبذ التطور وتحتقر الانتخاب الطبيعي؟ هل يمكن أن نقلب قوانين الطبيعة ونعكس قوى الجاذبية مثلاً، فتنطلق التفاحة وحدها محلقة نحو السماوات أو تنساب الأنهار متحدية قوانين نيوتن لتصب في أعالي الجبال – وذلك لمجرد أن الناظر يحب ابنه أو لأن الدكتور يحب ابنته أو لأن العميد لا يستطيع أن يزعل مراته؟ أبداً. تبقى قوانين الطبيعة كما هي ونشرب نحن العلقم جزاءً عادلاً لإنكارها. ما هو هذا العلقم وما هي مظاهره، وهل هو مفيد للمعدة أم للقلب أم هو مضر للجسم كله، وإذا كان مضراً بهذه الصورة والعياذ بالله – فكيف نتفاداه؟

وائل نوارة

Wael_Nawara@Hotmail.com


 

المصري اليوم – الاثنين – 23 أغسطس 2010

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=267056&IssueID=1871


 

ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook