الجمعة، نوفمبر 26، 2010

NDPlay

الانتخابات على الطريقة التعبيرية

في بلاد سرايا التعبيرية، الصور مقلوبة مزيفة، والمظاهر خادعة مقيفة، الأخبار مصطنعة بسذاجة، والإحصائيات مفبركة بفجاجة. في دولة سرايا التعبيرية، تؤكد رموز النظام أنها تعلن على الشعب الحقيقة، وتقسم رموز صحافة النظام أنها تسعى من أجل الشعب وراء الحقيقة، بينما الحقيقة تقف وحيدة. الحقيقة تقف بعيدة عن أولئك وهؤلاء.

في بلاد سرايا التعبيرية، انشغلت الصحف والأحزاب والجمعيات في الحديث عن ضمانات الانتخابات، وهل يكون الانتخاب ببطاقة الرقم القومي أم ببطاقة الماستر كارد، وهل يعود القضاة ليشرفوا على نزاهة العملية وفرز الأصوات، أم يظل البوليس السياسي يتلاعب في نتيجة الانتخابات، هل نقبل بمراقبة محلية، أم نستقدم حكاماً من إيطاليا، وغيرها من تفاصيل مهمة جداً لكن ليس للشعب، وينسى الجميع أن يسأل سؤالاً بسيطاً: ما هو الغرض من الانتخابات ولماذا لا يشارك الشعب في المسرحية؟

الديمقراطية ليست هي الانتخابات. حتى لو افترضنا أن الانتخابات القادمة ستكون حرة ونزيهة – وهو ما لم يحدث منذ عقود طويلة – فهذا وحده لا يكفي لإقامة ديمقراطية حقيقية. الديمقراطية في الأصل هي حكم الشعب، هي طريقة لصناعة القرارات المجتمعية، هي منهج لحل الصراعات بين أصحاب المصالح المختلفة بصورة سلمية. الديمقراطية تضمن التوازن بين الجماعات المتعددة للحفاظ على السلام الاجتماعي، هي أسلوب لضمان عدم تغول السلطة في أيدي أي شخص أو هيئة، الديمقراطية هي آلية انتقاء طبيعي ليختار المجتمع النخبة الأقدر على الحكم، يوليها ويحاسبها ويعزلها ثم يولي غيرها دواليك في تداول حيوي للسلطة. أما في بلاد سرايا التعبيرية، حيث صحف وأطباق عيش السرايا مشبعة بشربات السرايا المسكر، ملزقة لتؤكد أن اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني، فقد اختلطت الأمور والمعاني، وتداخلت الحقائق في الأماني، ولزقت المقاعد في الكراسي.

على الجميع أن يسأل عن الهدف. هل الهدف هو اصطناع صورة مزيفة عن الديمقراطية في مصر والترويج لها على طريقة سرايا التعبيرية، أم أن الغرض هو أن يقوم الشعب باختيار نواب له، يمثلونه ويتحدثون باسمه ويدافعون عن مصالحه؟ هل نخوض الانتخابات لننعم بمزايا الانتخاب الطبيعي فتقوى مناعتنا الحضارية كأمة، وتتطور مقدرتنا التنافسية كشعب ودولة، في تنافسنا الدائم مع باقي الشعوب والدول، أم نحبك مسرحية صورية تعبيرية ظاهرها الانتخابات والتنافس، وحقيقتها التعيين واحتكار السلطة ونهب ثروات البلاد واستعباد أبناء الشعب، من خلال أن يقوم النظام بتعيين أعوانه من أعضاء مجلس الشعب والشورى والمحليات، مثلما يعين العمد ورؤساء الأحياء والمدن والمحافظين وعمداء الكليات والوزراء ورؤساء تحرير صحف عيش السرايا التعبيرية وكل صاحب قرار عام أو خاص أو متعمخص.

كيف يكون هناك انتخابات بينما لا توجد أحزاب من الأساس؟ فالأحزاب الرسمية في واقع الأمر هي فروع من الحزب الوطني، تأتمر بأمر من يمنحها الشرعية ويختار ويعين رؤسائها – النظام والبوليس السياسي. ما هي مقومات الحياة السياسية في دولة بلا أحزاب حقيقية، مع نظام متورط للركب في الفساد والتزوير والنهب العام وبالتالي لا ولن يقبل بتداول السلطة، فتكون نتيجة الحياة السياسية محددة سلفاً من الجالسين على مقاعد الحكم، بينما جوهر العملية السياسية أن تفرز من يحكم؟ الإغراق والاستطراد في الحديث عن الانتخابات والضمانات المطلوبة للمشاركة والإشراف القضائي والمراقبة الدولية وغيرها من التفريعات المضللة، تبعدنا عن الطريق الرئيسي، وتلهينا عن الحقيقة المؤلمة، وهو أنه لا توجد حياة سياسية في مصر من الأساس.
ما هو معنى أن ينفق المرشح الملايين أو عشرات الملايين على الدعاية وشراء الأصوات رغم أن القانون يحدد ميزانية الإنفاق بـآلاف محددة، ثم يمر ذلك دون حساب أو عقاب ؟ هل ينفق المرشح هذه الملايين لأنه عاشق للخدمة العامة أم من أجل الحصول على الأرضي الساقعة والتأشيرات الساخنة وأموال العلاج على نفقة الدولة – علاوة طبعاً على الحصانة؟ ما هي شرعية مجلس يرى ما يزيد عن 80% من المصريين أنه لا يمثلهم؟ ما هي قيمة النجاح في عضوية مجلس الشعب إذا كان المجلس بحكم الدستور لا يملك أي صلاحيات رقابية وبحكم الممارسة تأتيه القوانين من أعلى إلى أسفل؟

الانتخابات بدون سياسة، مثل الامتحانات بدون تعليم. فالانتخابات تتوج نتائج التفاعل السياسي، مثلما يتوج التعليم بامتحانات وشهادات، لكن هل تغني الشهادات عن التعليم؟ هل تغني الانتخابات عن وجود أحزاب تتنافس على البرامج والرؤى، وتتفاعل مع الشعب بمختلف فئاته وجماعاته؟ حتى لو كانت الانتخابات نزيهة، في ظل عدم وجود عملية سياسية، ستأتي تلك الانتخابات بنتائج لا تعبر عن إرادة الشعب، لأن الشعب منصرف عن المسرحية، الشعب شبع مسرحيات وصور تعبيرية وبيانات مضللة ووعود كاذبة. الشعب يريد الحقيقة.
في غياب ملعب سياسي وقواعد عادلة للعبة، في غياب أحزاب حرة، وساسة يتنافسون بصورة متكافئة، لا توجد حياة سياسية. في ظل تدخل البوليس السياسي والسلطة التنفيذية في مجريات ونتائج العملية السياسية، تتحول العملية السياسية برمتها إلى مسرحية، النص مكتوب وجاهز، والنتيجة معروفة مقدماً. قد يبدع الممثلون في الأداء ويجتهد المخرج في الحبكة، لكن في النهاية المسرحية هي مسرحية، ومع التكرار الدوري للأداء والنتائج، يصاب المشاهدون بالملل، فينصرفوا عن متابعة المشاهد، وتصبح المسرحية موجهة لصانعيها، يمثلون على بعضهم البعض، أما إذا حاول أحد الممثلين الخروج على النص، يعاقبه المخرج بالفصل أو الطرد أو تجميد حزبه أو الزج به في السجون بتهم ملفقة مضحكة.
كالعادة نهتم بالصورة وننسى الأصل. نحزن لأن وسائل الإعلام الأجنبية تنشر صور الزبالة أو العشوائيات أو السحل والتعذيب، أما انتشار الزبالة نفسها أو غيرها من سلبيات، فلا تحزننا ولا تحرك لأي مسئول ساكن. الأصل لا يحزننا، لكن الصورة هي ما تهمنا فنتفرغ لترويشها وتزييفها على الطريقة التعبيرية.

وهذا هو أيضاً حال الانتخابات – الماضية والآتية – صورة بدون أصل – انتخابات تعبيرية.

أليس من الأجدى والأوفر أن نكتفي بهذا القدر من المسرحية ونتفرغ لعلاج أصل البلاء بدلاً من ترويش الصور التعبيرية؟

.
.
.

بعد الكلام

س: ما هو الفرق بين العملية السياسية والعملية المسرحية:

العملية السياسية تأتي بنواب الشعب
أما في المسرحية فيحصل "ممثلو" الحزب الوطني على أغلبية ساحقة

ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook