الأحد، ديسمبر 16، 2012

لأ... مصر مش وجهة نظر -- التحرير



أحلى فطار من وجهة نظرى، إنك تروح على المطعم القريب من بيتكم، وعليك بالطعمية السخنة اللى طالعة من الزيت ملهلبة، تحط قرص ولا اتنين فى نص رغيف بلدى مفقع قبل ما الطعمية تبرد، وبالهنا والشفا. لكن فيه مصريين يحبوا البليلة. وفيه اللى يطقش فى الزبدة بيض عيون. ناس تحلى عسل وطحينة بعد ما تديها فول بالزيت والليمون، وناس تفطر بزبدية وشوية جبنة بيضة وزتون، وطبعا فيه ناس بتشرب فنجان القهوة وجنبه كرواسون. مصر كده... تفطر بميت صنف ولون. ذوقها قماشته واسعة، تجيب من الشرق والغرب، لأنها أم الكل، أم الدنيا، مافيش مشكلة لما تاخد من ولادها وصفة طبيخ أو فكرة أو كلمة، لأن كل شىء فى الأول وفى الآخر أصله من الأم.
شوف بقى، أنا من الصنف الأولانى خالص، مدمن طعمية سخنة. بالنسبة لى الطعمية أحلى أكلة فى العالم وممكن أفطر بيها كل يوم، مش ممكن، الحقيقة أنا مجتهد بافطر بيها كل يوم وربنا ما يقطع لكو عادة. من كام يوم كنت فى سوق السبع عمارات، واقف الصبح بدرى فى طابور صغير قدام الراجل اللى بيقلى الطعمية، وانضم للطابور واحد من معالم السوق، ماعرفش اسمه صحيح، لكن عارف كويس شكله، راجل ما شاء الله طويل وعريض وصحته كويسة ربنا يباركله فيها، ودايما باشوفه عند الخضرى أو الفكهانى أو بيشترى حاجة من ألبان قنديل اللى عنده أحلى جبنة قريش فى العالم. وفجأة الراجل لأول مرة قرر يكلمنى وقاللى: زمانك خايف منى علشان أنا سلفى! سألته بضحك: الله؟ هو انت كمان طلعت سلفى؟ بصيت له، ولأول مرة اكتشفت إنه ممكن يدى على سلفى، دقنه يعنى وكده، بس عادى، لأن فيه مصريين كتير مربيين دقنهم بالشكل ده من غير ما يكونوا سلفيين، ومنهم ابنى، وفيه بعض السلفيين كمان من غير دقن أو بدقن خنافس شوية. رد الراجل وقاللى: طيب مش أنا سلفى؟ أنا بقى بقولك، يلعن أبو الدستور اللى يقسم البلد، يشق السوق، يقسم العمارة، يفرق حتى بين أهل البيت الواحد، ويخلى المصرى يستحل دم المصرى! أعوذ بالله من الفتنة اللى هيا أشد من القتل. عارف ليه الفتنة أشد من القتل فى ذنبها؟ لأن اللى بيعمل فتنة مش بيقتل واحد -لأ- ده ممكن يتسبب فى قتل ناس كتير أوى وذنبهم كلهم فى رقبته. أنا بقى حاروح أصوت ضد الدستور ده، لأن بلدنا ماعرفتش الفرقة دى قبل كده فى حياتها إلا من ساعة ما جه وش النحس ده وجماعته الأفاقين.
الراجل لخص الموضوع. أنا مش حتكلم عن مواد الدستور اللى بتاكل حقوق العمال ولا اللى بتهدر حقنا فى نقابات حرة مستقلة، مش حتكلم عن إهدار حقوق الطفل ولا دسترة تشغيل الأطفال، ولا حتى حاشتكى من التشغيل بالسخرة اللى عايزينه يبقى دستورى، ولا العقوبات اللى ممكن تنزل علينا مباشرة من الدستور من غير قوانين. مش حاكرر إن الدستور ده بيخلق ديكتاتور بيعين قضاة المحكمة الدستورية ورؤساء الأجهزة الرقابية، اللى مفروض أصلا تراقبه، ولا إنه بيشجع على الفساد. لأ. أنا حقولك سيبك من ده كله وبص على الدستور ده بقلبك وبعيون مصرية. الدستور اللى جماعة لوحدها تحطو وتحاول تفرضوا على بقية المجتمع، فيثور الناس ويزعلوا، ويدخل بينهم الشيطان ويسيل الدم المصرى فى الشوارع -ده دستور فتنة- بصرف النظر عن محتواه اللى بيرجعنا مئات السنين لورا. فى القرى البسيطة سمعت نفس الكلام، الناس بطلت تتكلم عن مواد الدستور، وبدؤوا بعبقريتهم المصرية يوصلوا إلى نتيجة مهمة جدا. إن الدستور ده دستور فتنة وفرقة واضطرابات وخناقات ودم. مع إن الدستور مفروض يجمع المصريين فى المساحة المشتركة بينهم. يتكلم عن اختلافاتهم ويحترمها، بس كمان يتكلم عن المشترك بينهم ويبرزه. يعنى يتكلم عن أهلنا فى النوبة فتحس إنه مكتوب بإيد نوبية، ويوصف فى أهل سينا فتحس إن اللى كاتبينه مولودين وعايشين فى وادى وتير، يحكى بلسان صعيدى فيطمن أهل الصعيد إنه فاهم معاناتهم من المركزية وناوى يحلها، يسترشد بمرجعيات يحس معاها المسلم إنه بيجسد مبادئ الشريعة، ويحس برضو المسيحى إنها ترانيم الحب فى الكنيسة، تحس فيه الأم إن قلب البلد عليها وإن الدستور حاطط فى عينيه ولادها وبناتها، يحس الراجل الشقيان إن الدستور فاهم خوفه من المستقبل، إنه لو وقع وماقدرش يكمل المشوار، فيه إيد مصرية حنينة حتتمد له، تساعده يتعالج، ولو لا قدر الله، تراعى ولاده وبيته من بعده.
هو ده الدستور اللى كان مفروض. كان مفروض نفضل نكتب فيه سوا، ونجود فيه ونراعى بعض، لحد ما نزهق، ويقول المسيحى قبل المسلم، يا عم خلاص بأه قفل الليلة احنا كده راضيين، مش يطلع واحد مسلم يقول أنا بامثل كنايس مصر، ويتسلق الدستور اللى حملته سفاحا لجنة غير شرعية لا تمثل مصر، وتضعه بليل والمصريين نايمين علشان تعمل عملتها السوّ فى الضلمة. الدستور لازم يحمى الضعيف قبل القوى، لأن القوى الحمد لله يقدر يحمى نفسه، ولازم يراعى الفقير قبل الغنى، ويطمن الأقلية قبل الأغلبية، لأن الأغلبية أغلبية، واثقة من نفسها ومترستقة، ونفسها إن اخواتها كلهم يطمنوا أكتر ويعيشوا فى بلدهم مرضيين، مش يهاجروا مضطرين! فيدوهم حقهم وزيادة حبتين، لأن الدستور لازم يراعى الصغير قبل الكبير، وقبل ما يهتم بالولد يراعى البنت الغلبانة اللى ممكن أهلها فى يأسهم يبيعوها لشيخ أجنبى مايعرفش عن الدين غير الدقن ويدخل بيها وهى فى سن 11 سنة، يسطر حق لأهلها على الدولة فى التعليم والمساعدة علشان ميوصلوش فى زنقتهم إنهم يبيعوا لحمهم وعرضهم مضطرين.
مصر... مش دولة خلقتها الأطماع السياسية لإمبراطور مصاب بجنون العظمة، ولا أوهام التوسع والاستغلال عند طبقة أرستقراطية رأسمالية حاكمة. مصر مارسمش حدودها على الخريطة عسكرى أجنبى فى خيمة بالمسطرة والقلم، ولا غيَّر حدودها ظابط بعد مفاوضات مع شيوخ قبائل، ولا اترسمت نتيجة اتفاقيات تقسيم بين شوية مستعمرين حرامية. مصر خلقتها الطبيعة بمشيئة ربنا، حدودها ثابتة تقريبا دون تغيير من 6000 سنة وزيادة. وعلشان خلقتها الطبيعة دون وساخة السياسيين ولا قسوة المحاربين، ثقافتها طالعة طبيعية ربانية من الأرض، الأخلاق فيها والعادات والتقاليد مروية بمية النهر وشاربة من طينة الأرض. وقعت الشرطة شهور، ومعدلات الجريمة فى مصر برضو فضلت أقل من أى بلد فى العالم. البلد فيها الفقر وفيها نظم ملخبطة وسعت الفروق بين أهلها، ومع ذلك شايلين بعض ومستحملين بعض وعايزين يحسنوا من غير ما حد يدبح حد، لا جعان يدبح شبعان علشان يخطف من إيده اللقمة، ولا غنى كمان يشوف جاره محتاج وما يساعدهوش، ماحدش بيفتح لفة سندوتش فى أى أوتوبيس أو ميكروباص من غير ما يعزم على اللى جنبه. مية السقاية لازم تعدى على أرضك علشان توصل لأرضى، وما ينفعش تحبسها عنى ولا أحبسها أنا عن اللى بعدى لحسن الأرض تبوظ وتطبل من الجشع. هى مصر كده. مصر اكتشفت التوحيد، والأخلاق والضمير، وتعايشت فيها الأديان وتداخلت، ولما تدور، تلاقى ولى المنطقة المسلم أصله أحيانا قديس مسيحى، والعبر فى القصص الدينية اللى موجودة هنا وهناك، هى نفسها اللى الناس بتربى ولادها عليها من زمان، لأن ربنا فطر الناس والدنيا على الخير، ومصر أم الخير وأم الدنيا.
الدستور اللى يفرق بين المصريين ده حتلفظه الأرض قبل الناس. سواء عدا أو ما عداش، الناس لو مالقتش فى الدستور الكلام اللى هيه متربية عليه ومحفور فى قلبها قبل دماغها، حترميه فى الزبالة وتكمل عيشتها فى الدولة الموازية بدستورها العرفى وقانونها اللى معروف للكل بالمفهومية.
مصر قايمة على الأسس دى. على التنوع ده. على التسامح الحلو اللى انت لو فكرت كويس تلاقيك بتحبه. وتلاقى نفسك لوحدك بتنفر وتضايق من المتشنجين المتعصبين، اللى كل همهم يكفروك ويفرضوا عليك تدين مظهرى مقصور على قشور لا تودى ولا تجيب. واحد يقوللى، بس التنوع والتسامح ده وجهة نظرك، الشعب كان ماشى على حاجات غلط ولازم دلوقتى يلتزم بالصح اللى احنا واخدينه عن شيوخنا. أقوله لأ. مصر مش وجهة نظر. مصر حقيقة واللى مش شايف الحقيقة دى أعمى القلب والبصيرة. عظمة مصر فى تنوعها واحتوائها للكل، ووحدتها فى احترام التنوع ده والاعتراف بيه، مش محاولة تلبيس مصر فى جلابية قصيرة مستوردة من حتة تانية، ويا ريت هى منها، دى هى برضو مستورداها من حتة تالتة. ممكن تفطر فول أو طعمية أو بليلة، براحتك. تنوع مصر مش وجهة نظر. ممكن تبقى اشتراكى أو ليبرالى أو قومى أو سلفى، إنت حر فى وجهة نظرك. لكن تفضل مصر مصرية. لأن مصر مش وجهة نظر. ينفع تقول وتعيد زى ما انت عايز، لكن ماينفعش تقول طز فى مصر، أو شيطانك مثلاً يوزك -حاكم الشيطان شاطر- ويقولك إنك ممكن مثلاً يعنى تقسم مصر، زى ما قسمت قبل كده فلسطين أو السودان، وأهو حتة من هنا وحتة من هناك، ونعمل إمبراطورية للجماعة. لا يا حبيبى. قف عندك. وحدة مصر مش وجهة نظر. مصر يا شاطر مش وجهة نظر.

‏ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook