Friday, January 09, 2009

From 2003 Archive: Permission to Leave

من أرشيف 2003

شكرٌ للعطاء ...

وإذن للانصراف بسلام ...

للأستاذ وجيله


فاجأنا "الأستاذ" باستئذان جميل يغلبه التواضع، يطلب فيه "الانصراف" ويستعرض التقرير الختامي. ورغم يقين، بأن الفكر ليس له أن يتقاعد، فقد وقفت أتأمل المعاني العميقة وراء هذا الاستئذان، وطافت صور الماضي شخوصه وأشباحه بالوجدان، فشعرت بما يشبه الحنين .. والحسرة .. والأمل.


الحنين لطموحات أطلقها الأستاذ وجيله ومن معه، لماض رأينا أحلامه جميلة رائعة، حتى صحونا على كوابيسه قبيحة مروعة.


الحسرة على شباب غاب، وكهولة ذبلت، وأحلام ضاعت. ولعلني لا أرغب الآن في إفساد هذه المناسبة، باستعراض رسمي، للحساب الختامي، للأستاذ وجيله، ربما لأن الحساب هو من حق أجيال قادمة. وربما، لأنني أتهيب من قسوة الحساب ومرارته. إن نحن انغمسنا فيه الآن، والطريق لا زال وعراً، فقد تزداد ملامحه غموضاً، تتخفى عن قلوبنا وضمائرنا، وأخشى ما أخشاه، أن نضيع فيه، إن نحن ضيعنا طاقاتنا في الحساب والعتاب. أكره أن نبدأ في تناول معاول الهدم والخطر على الأبواب، بدلاً من تركيز كل جهودنا في البناء وتعويض ما فات، تصحيح ما فسد، وفعل ما كان يجب –بل وكان من الممكن- فعله، وتعامى عنه الجميع، سواء من يُحسبون على جيل الأستاذ، أو من هتفوا منا أو من غيرنا لذلك الجيل، أو من قعدوا ساكتين عن الفعل أو الهتاف أو حتى الكلام.



جلسنا نتحدث عن الماضي الجليل

وتبخترت خيوط من الدخان متكاسلة

توقفت الرياح وتباطأت أذرع الطواحين

وزحفت أمواج اليأس متسللة



وجاء صوت من بعيد

يذكرنا بما يجب ولم نفعله

تظاهرنا بالصمم حتى

خبا المصباح فلم نشعله



والأمل، في أن الأستاذ عندما بدأ بالاستئذان، فقد يكون في هذا إيذان، ببدء موجات لطلب الغفران، يترك فيها جيل بأكمله الراية التي توقفت الرياح عن دفعها، ويسلمها لجيل أوشك على الغرق في يأس الكهولة ومتاهة النسيان. نسيان ما يجب أن يكون ولم نفعله.


مصالحة قومية ودعوة للعفو العام



إن الحدث قد يبدو صغيراً، ولكن هذا "الاستئذان" ذا دلالة تاريخية، تفصل بين عصرين، زمن راح، نودعه بمشاعر متناقضة، وزمن آت، ولابد أن يأتي. لابد أن يأتي على أيدينا أو أيدي أولادنا سواء شئنا أم أبينا. في ظل هذا الحدث، انتابتني موجات من الحب والمسامحة، والغفران.



أيها الأستاذ، أقول لكم بكل الحب، لقد عشقنا جيلكم، وإن لم نعشه أو نعه تماماً، أحببناكم حبنا لآبائنا وإن تعددت خطاياهم. أعجبنا بالشجاعة وروح الفروسية بل والرومانسية. مُلئنا زهواً، وتناقشنا لساعات طويلة لغواً، بل وهتفنا في الشرفات حتى دميت حناجرنا الصغيرة – ولا يُعقل أن تتوقعوا أنها للآن صغيرة.


أيها الأستاذ، أقول لجيلكم بكل الصدق، إننا نسامحكم، لأننا نعلم الآن أنكم بشر، ولستم آلهة أو أنبياءً منزهين، كما روج بل وزين بعضكم لبعض.


إننا نشكركم على عطائكم، ونغفر لكم ما قدمتم من ذنب، لأنكم آباؤنا، ونحب أن نعتقد في حسن نواياكم وصدق مقاصدكم.


وفي حمية هذه المصالحة القومية، القلبية بل والتاريخية، نعرض عليكم عرضاً كريماً.


اذهبوا بسلام عليكم السلام. دعونا نعيد البناء على أسس جديدة. إنه عرض خاص لفترة محدودة، قد لا يطول العمر بنا أو بكم – أطال الله في أعماركم – لاقتناصه.


إننا نعرض عليكم هذا الغفران والعفو العام – إن سمحتم لنا – شريطة أن تذهبوا الآن، وقبل فوات الأوان، بما يمثله ضياع الفرصة التاريخية من خطر داهم، علينا وعلى أبنائنا، أحفادكم الأعزاء.


لا نريدكم أن تظهروا على الشاشات، لتحاولوا –عبثـاً- أن تتطهروا من خطايا أو تصححوا ما فات، فلا يمكنكم أنتم في الواقع التصحيح إلا بالذهاب. لا تغامروا بتصفية حسابات، لندفع نحن ثمن المغامرة، فيفلس من يفلس، وينتحر من عجز عن ستر أولاده يوم بدء الدراسة، يأتي خالقه وقد خسر الدنيا وربما الآخرة، يطلب الغفران ممن يملك الرحمة والمغفرة، ويشكو ربه ظلم من ظلوا في مقاعدهم لعقود طويلة، بعد انتهاء العمر الافتراضي.


لقد استنفدت مؤسساتكم مرات الرسوب، وتجعدت وجوهكم مهما حاولتم تجميلها أو صبغها. لقد ضحى جيل أتى من بعدكم بعمره، ليرفع رايات الوطن تحت إمرتكم، ويمسح عاراً أصاب الوطن من جراء رومانسية سياستكم، فحرك ذلك الجيل المنسي عقارب الزمان، وأمسك بمفاتيح المكان، ووضعها بين أيديكم، في إعزاز وانتظر ... ولكنكم عجزتم عن فتح أبواب المستقبل لذلك الجيل المأسوف على شبابه، ولنا ومن يأتي من بعدنا، فكان ما كان.



في أحد الأيام

صحا الصبي مبكراً

ونظر حوله متذكراً

فلم يعجبه ما يرى

وهز رأسه مستنكراً

استفزه العجز .. الفشل .. الظلم والطغيان



قام الفتى قومة هائلة

حطم المقاعد والأصنام

واقتحم الحصون والألغام

ورفع الجباه والأعلام

وحرك عقارب الزمان

وأمسك بمفاتيح المكان

ووضعها بين يديّ الأب

في إعزاز وانتظر



ثم رنا إليّه متعجباً
.......
.......



الغـد

أيها الأستاذ المحبوب، يا من أنت في عمر أبي، نرجوكم ونتوسل إليكم أن تستمتعوا بالراحة والدعة والسكينة، التي تستحقونها بجدارة بعد جهاد طويل. نود أن ندعو الله لكم بالخير والرحمة، كما يجب أن يفعل كل ابن بار، ولكن ... رحمة بنا وبمستقبلنا، افرجوا عن مستقبل أولادنا الذي لا نستطيع أن نفرط فيه، مهما كان من إعزازنا لكم، ببساطة لأننا لا نمتلكه.



أيها الأب المبجل لا تستمع، لوساوس الخلود أو تنخدع، فاليوم آتٍ آت، بل لعله قد أتى بالفعل. لقد أضعتم الماضي، ثم أدرتم الحاضر بعقل الماضي، أما الغد، فلا يرضيكم ولا يرضي الله أن تحتكروه. لا لضعف منكم أو عدم كفاءة – سامحنا الله، ولكن لكي ينفض الوطن الحبيب عن نفسه أكفان الموتى، وينهض من تلك الحفرة العميقة، لتُبعث من جديد هذه الأمة العريقة، كما يجب أن يكون.



لا نريد أن تظلوا في مقاعدكم حتى تصيبكم الشيخوخة بما لا يليق بمهابتكم أو ينال من وقاركم. نريدكم آباءً مبجلين، وأجداداً محبوبين، يسعدون عندما يرون الأبناء وقد شبوا عن الطوق، يديرون حياتهم بأنفسهم، يخطئون ويصيبون، ولكنهم يتحملون مسئولية أنفسهم، وبيوتهم وأبنائهم، حتى يشب هؤلاء عن الطوق بدورهم، لتستمر دورة الحياة، كما أراد لها الله أن تكون. نود أن ندعو لكم وأن تدعوا لنا، كما يفعل كل الآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد.


علمتمونا أن الجسد الحي يغير خلاياه في كل لحظة، ويجدد دماءه أثناء النوم واليقظة، وأن الجسد الميت فقط هو الذي يتوقف عن التجدد، ليبدأ في التعفن والتحلل، وهذا ما لا تقبلون به للوطن الحبيب، الذي أيضاً علمتمونا تقديسه بعد الله سبحانه.


هل يرضيكم أن يأتي الغد ليجد وجوهاً عابسة، وأيد مرتعشة، وعيوناً انطفأ بريقها ؟ بل هل تظنون أن الغد سوف يأتي إن لم يجد وجوه الصبيان ترحب به بروح الأمل والعزيمة، وملاحة الصبايا تضحك له وتحتفي به ؟ أي غدٍ يكون ذلك ؟ بل أنه بكل أسف يكون بقايا كوابيس الماضي، تستشري كالسرطان فتغزو الحاضر، ثم تتجمل لتوهم الشباب أنه المستقبل. ويهز الشباب رأسه في أدب وأسف وحسرة، فما تعود أن يهزأ بالآباء مهما تجاوزوا.


نرجوكم، اتركوا لنا بريقاً من أمل، لأن الحياة بدونه تؤلم أكثر من الموت، مهما اشتدت قسوة الهراوات. نرجوكم، كفوا عن التعلل بحرج الأوضاع والحاجة لحكمة الكبار. حرج الأوضاع من صنعكم، بل لعله نتيجة لسوء حظكم، الأمران سيان، ولكن من حقنا أن نجرب حظنا في عتبة أخرى.



لماذا الحياة ؟

وماذا يفيد الأمل والشفاه

تنوء بقيد أحنى الجباه

ونحن غفاة



لماذا الزمان

يضِنُ علينا بالصبيان ؟

بحلم يعيد بهاء المكان

ومجداً كان ؟



وكيف الغداة ؟

إذا ما فقد الصبي صباه

وضاع بليل عرض الفتاة

(فرتقناه)



لمَ يا زمان ؟

تحجب عن قلوبنا الفتيان

أبطالاً توقظ الأوطان

والسلطان



وفي الأرحام

بقايا بويضات من ألف عام

صبايا ضحايا عقم الكلام

وظلم الظلام



و ... ... ..

" أثناء غث الكلام .. عجز الظلام والأصنام .. .. ضاق بالألم اللجام

ولدت فصيلة الأقزام .. نشأت تأله الحكام .. وترمم العظام

بدأت تمسك بالزمام .. أخذت تثقب الأرحام والأقلام.. حتى مات الكلام "

(ونحن نيام)




اذهبوا الآن بسلام، عليكم السلام. ها نحن قد منحنا الإذن. ويبقى عليكم أن تفوا بالوعد.




وائل نوارة



الأبيات مأخوذة بتصرف، عن ديوان "البحث عن الصبي"


Thursday, January 01, 2009

On the Issue of Identity

البيان الشاذ وقضية تعدد الانتماءات



صدر البيان التالي عن جهة تسمي نفسها بجبهة علماء الأزهر، وهي جمعية أهلية تم حلها عام 1999 لا تمثل الأزهر ولا علماءه، ولا تمثل سوى أعضاءها وهم قلة تنتهج كما سنرى في البيان نهجاً شاذاً أظن أنه يستهدف الشهرة والظهور الإعلامي.




فتوى في بيان بشأن الضابط المصري القتيل




إلى الضابط المصري البائس الذي ذهب في حظِّ سايكس بيكو وطاعة غير الله



لقد آلمنا أن يذهب مثلُكَ في طاعة غير الله بعد أن رفعت سلاحك في وجه شقيقك الفلسطيني الذي آوى إليك فرارا مما يلقى من عدوك وعدوه، على رجاء أن يجد منك ما كان يلقاه من أمثالك الغياري على شرف العروبة وعز الإسلام فإذا بك تشهر السلاح في وجهه فتقتله وأنت له ظالم طاعة لأوامر جائرة، وتعليمات فاجرة، فرخص دمُك، لأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة في المعصية" وضاعت في الضلال حياتك، لأنك لاَعنْ عروبة كنت مدافعا،ولا لدين كنت عاملا، "والمسلم أخو المسلم، لايظلمه ولايخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وعرضه، وماله"، قتلت أخاك على حقه فذهب شهيدا، لأنَّ من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد" ثم قُتِلْتَ أنت في غايةٍ رخيصة، هي الدفاع عن حدود وضع خطوطها الكافرون، الذين قسَّموا أرضنا بما عرف بالمجرمين سايكس بيكو، لينفردوا بنا واحدا بعد الآخر، وأرضنا في دين الله واحدة، فإذا بك تسقط فيما سقط فيه ساسة الحزب الذين حادوا الله ورسوله، فاستجاروا بأعدائهم من أوليائهم وإخوانهم،فذهبت حياتك في غير شرف، وقُتِلت قَتْلَ الصائل،


فقد أخرج النسائي واحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ،أرايتَ إنْ عُدِىَ على مالي؟ قال: "َانْشُدِ الله"، قال: فإن أَبواْ عليَّ؟ قال "انشُدِ الله"، قال: فإن أبوْا عليَّ، قال:"فانشُدِ الله"،قال :فإن أبوا عليَّ؟ قال صلى الله عليه وسلم" فقاتل، فإن قُتِلتَ ففي الجنة، وإن قَََتلْتَ ففي النار".

وعليه


:
فإننا نُحذِّر كّلَّ جنديٍّ وضابط من جنود مصر أن يخسروا شرفهم الفريد بأن يندفعوا في إطاعة الأوامر الصادرة إليهم بغير أن يعرضوها على دينهم وقلوبهم ،فإنه لاطاعة في المعصية، وليست حياة واحدٍ منكم بأغلى من حياة إخوانكم المستضعفين وغير المستضعفين الفلسطينيين، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" وحتى لاتخسروا الدنيا والآخرة


.

وإلى الموظفين من بعض الشيوخ الذين لايزالون يلزمون جانب الصمت، ويخرصون خرص القبور، فرضوا لعمائمهم أن تكون على أصنام، إنَّ سِمَنَ الكيس ونُبْلَ الذِّكرِ لا يجتمعان


.

وإلى دهاقين السياسة في مصر وغيرها :

مانال باذلٌ وجَهَهُ بسؤاله عِوَضاً ،ولو نالَ الغِنى بسؤاله



صدرعن الجبهة في غرة المحرم 1430هـ الموافق 29ديسمبر2008م





Quote


قُتِلْتَ أنت في غايةٍ رخيصة، هي الدفاع عن حدود وضع خطوطها الكافرون، الذين قسَّموا أرضنا بما عرف بالمجرمين سايكس بيكو


Unquote




حدود مصر ثابتة ومستقرة منذ عصر مينا موحد القطرين

بمعنى أن الحدود قد تتغير مؤقتاً


اتساعا نتيجة لغزو مصري كان يهدف لتحريك خطوط الدفاع للأمام



أو انحساراً نتيجة لغزو أجنبي



ولكنها تعود لنفس الخطوط بعد زوال السبب العارض

بما يؤكد ثبات واستقرار تلك الحدود



ومنذ ذلك الوقت وقبل اليهودية والمسيحية والإسلام بآلاف السنين تبلورت وترسخت الهوية المصرية



ومنذ ذلك الحين أيضاً وفلسطين هي البوابة الشرقية لمصر

وأهلها تربطنا بهم وشائج الحب والجيرة والدم والتصاهر



ومعظم الغزو الأجنبي على مصر جاء من تلك البوابة

فقوتها من قوتنا

وأهلها هم أهل لنا



يجب أن نتضامن مع أخوتنا في غزة بكل قوة

دون أن نفرط في أمننا القومي أو نفقد السيطرة على حدودنا أو أرضنا



أتمنى أن نتجنب النظرة الأحادية للأمور وألا ننجرف إلى المعارك الجانبية

إسرائيل دولة دينية عنصرية تستخدم وسائل الإرهاب والعقاب الجماعي واغتصاب الأراضي ومنع اللاجئين من العودة فهي دولة مارقة خارجة عن القانون الدولي



وحماس منظمة بدأت كمقاومة سلمية تعاطف معها العالم أجمع بما في ذلك الرأي العام داخل إسرائيل في انتفاضة الحجارة الأولي



والآن حماس ضلت طريقها وتمسك بأهل غزة رهينة

وتستخدمهم كدروع بشرية



الطرفان يتحملان جزءاً من دماء الجريمة





وأحيانا قد يقع بعضنا في حيرة ترتيب أولويات الانتماء

فالبعض يقول أنا مصري أولاً والآخر يقول أنا مسلم أو مسيحي أولاً

وفي رأيي هذا به خلط للأوراق



فتعدد الانتماءات في كل شخص شيء طبيعي

ولكن يجب أن نبحث عن موضوع النقاش حتى نحدد أي من الانتماءات له الأولوية في ذلك الموضوع



مثلاً



أنا أهلاوي أولاً عندما يتعلق الموضوع بماتش كورة في الدوري المصري



ومصري أولاً عندما يتعلق الموضوع بشيء سياسي أو شيء يمس وضعي كمواطن في دولة اسمها مصر



ومسلم أولاً أو مسيحي أولاً عندما يتعلق الموضوع بشيء ديني يمس علاقتي الشخصية بالخالق



وقد أكون مهندساً أولاً أو خبيراً في الإدارة أولاً عندما يتعلق الموضوع بشيء فني مهني أو إداري. فكوني مصرياً لن يجعلني أدلي برأي يخالف أصول المهنة أو المبادئ العلمية المتعارف عليها إذا سئلت للشهادة مثلاً في قضية حكومة مصر تكون أحد أطرافها



وأنا إنسان أولاً عندما يتعلق الموضوع بأمر يمس الإنسانية كلها مثلا حقوق الإنسان لا فرق فيها بين مصري وغير مصري



وهكذا


فتعدد الانتماءات بالطبع موجود



ولكن الأولوية تكون حسب الموضوع الذي نتحدث فيه



وعندما يأتي موضوع يمس حدود مصر وهي كيان سياسي أنتمي له أنا كمواطن



فأنا مصري أولاً



فتعدد الانتماءات إذاً وارد وطبيعي، وقد يرى بعضنا أنه ينتمي للأمة العربية

وآخرون يرون أنهم ينتمون للأمة الإسلامية

ولكن نسبة ليست صغيرة من المصريين لا يشعرون بمثل هذه الانتماءات العربية أو الإسلامية



وهذا طبيعي، لأن دائرة المركز في دوائر الهوية، وهي الدائرة التي نشترك جميعاً في الانتماء لها كمصريين، هي دائرة انتمائنا لمصر، الوطن الأم، وأساس المواطنة بين كل المصريين، هو المساواة بيننا جميعاً كمصريين، لا فرق في ذلك بين مسلم أو مسيحي أو غير متدين





وفي نفس الوقت



أهل فلسطين وخصوصاً أهل غزة هم جيران لنا

وهذه حقيقة جغرافية

وتربطنا بهم كجيران ما يربط الجيران ببعضهم البعض، من وشائج الدم والمصاهرة والارتباط العاطفي



وهم بشر ينتمون للإنسانية على اتساعها

وهم أيضاً عرب إلخ



فمن الطبيعي أن نتألم للجرائم التي تحاك ضدهم

سواء من إسرائيل



أو من حماس

التي تتخذهم كرهائن ودروع بشرية



وأن نهب لنجدتهم بكل الطرق

دون أن نفرط في أرضنا أو نعرض أمننا القومي للخطر

فنصرة الجار لا يجب أن تطغى على نصرة أهل البيت أو تنتقص من حقوقهم أو أمنهم



ودون أن نخوض مغامرات فاشلة تضرنا وتضرهم دون أن تحقق أي هدف



فالحكمة تقتضي أن نقوي أنفسنا حتى نستطيع أن نكون فاعلين على المستوى الدولي


فقوة مصر الداخلية هي حجر الأساس لقوتها على المستويات الإقليمية والعالمية



والقوة مقوماتها العلم والتقنيات والتقدم السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي إلخ



فيجب أن يكون هدفنا دائماً هو قوة وتقدم مصر حتى نستطيع أن ننفع أنفسنا والآخرين



فالمريض لن يستطيع أن يدافع عن نفسه فضلاً عن نصرة جيرانه أو أقربائه



ولابد أن نقوي مصر لنساعد أنفسنا وندافع عن وجودنا ووجود أبنائنا ونساعد الآخرين أيضاً في حدود المتاح





*****************************


تأسست جبهة علماء الأزهر في عام 1946 حتى عام 1995، وتلخصت أهدافها في استنهاض همة الأزهريين لاستعادة دور الأزهر، ومساندة الدولة بالدعوة إلى الله ونشر مبادئ الألفة والمحبة والإخاء، ومساندة الأزهر ومشيخته وجامعته فيما نيط بهم من نهوض بالوطن في مجال الثقافة الإسلامية الصحيحة. وفي عام 1996 ومع تولي الدكتور محمد سيد طنطاوي مشيخة الأزهر بدأ الصراع بين الجبهة والمشيخة، حيث رفض طنطاوي وجودها، بسبب معارضة الجبهة لبعض فتاويه، وقام شيخ الأزهر برفع عدة دعاوى قضائية حتى صدر حكم قضائي بحلها عام 1999، وعدم اعتبارها جمعية رسمية مشهرة بشكل قانوني.

لكن قبل عدة سنوات عادت جبهة علماء الأزهر إلكترونيا فقط عبر موقع لها اطلق من الكويت لإحياء نشاطها برئاسة الدكتور محمد عبد المنعم البري، وأمينها العام دكتور يحيى إسماعيل حبلوش، وعضوية بعض من علماء الأزهر، وانبرت لإطلاق فتاوى مناوئة لفتاوى دار الإفتاء الرسمية ... استكمل قراءة مقال رامي

جبهة علماء الأزهر إذن لا علاقة لها بالأزهر كمؤسسة من قريب أو بعيد


وهي مكونة من مجموعة من الذين ينسبون أنفسهم للأزهر

كما ذكر رامي



ولكن هناك مئات الآلاف أو الملايين الآخرين من خريجي الأزهر

وليس لهذه الجبهة أي وزن سوى في انتحالها اسم الأزهر وكلمة الجبهة التي توحي وكأن هناك تجمهر كبير من علماء الأهر بحيث يعبر عن الأزهر



وفي كل الأحوال الأزهر نفسه في حالة كبيرة من الضعف

فبعد أن خرج التيار الليبرالي المصري من رحم الأزهر في القرن التاسع عشر والعشرين

على أيدي شيوخ مستنيرين مثل الطهطاوي والعطار ورشيد رضا والإمام محمد عبده وسعد زغلول وطه حسين وعلى عبد الرازق


فاليوم الأزهر وزنه الفكري وتأثيره أصبح شبه معدوم نتيجة لتبعيته للدولة من ناحية ومحاربته للتجديد الفكري من ناحية أخرى


ولكنه لا زال يحتفظ بوزن تسويقي مؤثر كعلامة تجارية أو براند Brand رنان وخاصة خارج مصر.




New Poll: Egyptian Penal Code

استفتاء بخصوص قانون العقوبات المصري





هل توافق على أن تكون عقوبة السرقة في القانون المصري هي قطع اليد وعقوبة احتساء الكحوليات هي الجلد؟


الاختيارات المتاحة



نعم


لا


لست متأكداً




شارك بصوتك في هذا الاستفتاء



وادع أصدقاءك حتى نعرف رأي الشعب المصري في هذا الموضوع





تعليق من الأستاذ سامي حرك


وهل يجوز أن نستفتي الناس في أساسيات , ناضلوا ودفعوا دماءهم ثمن للحصول عليها ؟؟؟


الإنسانية ناضلت لإلغاء العبودية , وبالفعل تم إلغائها , بموجب عهد دولي ملزم , حتى لغير الموقعين , زي السعودية , اللي لا تجرؤ لا هي ولا غيرها على مجرد الإعتراف بالعبودية دلوقتي !


العقوبات البدنية , قطع اليد أو الأنف أو الأصابع ,,, مجرمة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان , ونسبة الدول اللي صادقت على الإعلان تعدت النسبة المطلوبة عشان تتحول قواعد الإعلان العالمي إلى قواعد ملزمة لغير المصادقين !


وبالتالي أصبح إلغاء العقوبات البدنية مكسب إنساني , لا يجوز التنازل عنه , ولا حتى بالإستفتاء والإختيار الحر , ويقدر سكان جزر القمر -مثلا- يطعنوا ويرفضوا أي قوانين بقطع اليد لتعارضها مع مكتسب إنساني ,,, مساوي لحق الحياة !


فهل يجوز الإستفتاء على الحق في الحياة ؟؟؟


لكل هذه الأسباب ,,, وغيرها ,,, أرفض الإستفتاء , شكلاً وموضوعاً !


Wael Nawara at 9:55am January 2



سامي بك


كلام جميل ومحترم جداً وأقدره


السبب في هذا الاستفتاء


أن أصدقاءنا في التيارات الإسلامية يقولون أن الشعب يريد تطبيق الشريعة والحدود الإسلامية


وهم لا يعترفون بمواثيق حقوق الإنسان بدعوى أنها غربية المنشأ



وأنا فعلاً أريد أن أعرف


هل الشعب المصري يؤيد قطع اليد والجلد والرجم والصلب وخلافه؟


من حقك بالطبع أن ترفض الاستفتاء


ولكن إذا امتنع الليبراليون عن التصويت باعتبار أن التصويت في حد ذاته يعد موافقة على أن الموضوع قابل للتصويت وهو شيء كريه فعلاً


سنجد أن التصويت سيميل ناحية مؤيدي العقوبات البدنية مثل قطع اليد أو جدع الأنف إلخ


أنا بالفعل أتمنى أن أعرف




Samy Harak at 10:18am January 2



طيب , أنا صوت -معرفش هي صح كده ولا إيه ؟ المفروض تكون (صوطت) زي ما بتتنطق , المهم صوتنا عشان الميل , الحشد لليبرالية يعني


بس , إيه الضمانة , إن الأصوليين ما يحشدوش لصالح العقوبات , وهما أشطر مننا في الحشد , لأن عندهم أسلحة حنجورية نووية خطيرة بمكيروفونات هيدروجينية !


يعني لو فيه مظاهرة -بجد- لصالح أو ضد العقوبات المدنية , بالأمانة يا باشمهندس , مين يقدر يطلع خمسين ألف متظاهر الصبح ؟؟؟ إحنا العلمانيين الليبراليين , ولا هما ؟؟؟


من غير إستفتاء ولا حاجة , أنا راضي ضميرك !


وسائل الحشد والجمهرة عندهم أسهل , لأنه ببساطة يضع العقل البسيط بين خيارين : قال الله أم قال الإنسان !!!



Wael Nawara at 10:30am January 2


هل تصدق أن الشعب المصري وأنت خبير بطباعه يوافق على قطع اليد أو الجلد؟


المصري الذي قد يسقط مغشياً عليه إذا رأى مشهد الدم؟


الشعب المصري الذي يرفض أكل الدجاج إذا رأى آثار بقايا شعيرات دم فيه، ويطهو اللحوم لساعات طويلة حتى يتجنب أي احتمال لوجود الدم؟


هل تصدق أن المصري صاحب الاعترافات الضميرية يقبل بمثل هذه العقوبات؟


مشكلتنا أننا صدقنا ما قالوه وضخمنا من تأثيرهم


دعنا نرى الحقيقة حتى لو مؤلمة حتى نعرف ما يتعين علينا عمله


دعنا نحشد مثلهم


هم أقلية منظمة باعترافهم


ونحن أغلبية غير منظمة


لماذا لا نحاول أن ننظم من أنفسنا ونحشد مؤيدينا؟



Wael Nawara at 10:33am January 2


الضمانة يا سامي بك


أن نحشد نحن أيضاً الأصوات والتصويط


باعتبار أنها هكذا تكتب


تتكتب كده

وتتكسب كده


نحشد في



الغد

والجبهة

ومصر الأم

و الجمهورية الثالثة

ومصر تتذكر

وكافة المنتديات والمجموعات المحافل الليبرالية



:)


Wael Nawara at 10:36am January 2


أنا لا أسأل قال الله أو قال الإنسان


أنا أسأل


هل توافق على أن تكون عقوبة السرقة هي قطع اليد؟



Samy Harak at 10:38am January 2


سيادتك عندك حق



ومتفق معاك , أنهم أقلية منظمة , وإننا لو نظمنا نفسنا نكون أقوى وأخطر , وكمان إن الشعب المصري الحقيقي بيرفض العقوبات دي , بدليل إن عمرها ما إتطبقت في مصر , حتى في عهود حكم الولاة العرب , بسبب ثورات الأهالي , كان الحاكم العربي يقتل الناس , لكن ميقطعش إيديهم


بس , هي الحكومة ها تسيبنا نتنظم ؟؟؟



دي مربياهم في حجرها , وبتطلقهم ع الشعب في الوقت المناسب



في نفس الوقت اللي بتخطف وتخفي وتحبس وتحرق وترفض وتصادر,,,إلخ




عموما , أحييك على مبادرتك , وربنا معانا كلنا




Wael Nawara at 10:47am January 2


Amen ;)


سيادتك أستاذنا يا سامي بك وتعلمنا منك الكثير عن اللغة المصرية والحضارة المصرية ولابد أن نعترف بالفضل لأصحابه










Friday, December 19, 2008

Why Sugar is Sweet

Why is Sugar Sweet?


By:

Wael Nawara




Have you ever wondered why sugar tastes so sweet?


What does sweet mean, anyway?


Is it just another "class" of "tastes"? Just like "salty" or "bitter" or "acidic"?


Or is there something special about sugar?


Did you notice how we, humans, almost in every language and culture, use the word sweet, to describe nice things, nice people or even nice words. Sweet describes the taste of sugar but we also even use the word sugar itself. Men use it to describe beautiful ladies, and vice a verse. We use it to describe nice tunes, nice talk, etc. We also use the word "honey", "honeymoon", "sweet-heart", "sweetie", to describe our loved ones. There is biological relationship between sugar and reproduction, as we see in insects and plants.


Sugar contains some of the most important energy-rich dietary components necessary for our survival. Sugar can be easily and quickly absorbed by the blood giving us vital energy to keep us alive. Energy that keeps our hearts pumping, our brains functioning, our muscles moving such that it keeps us alive and on our feet. Other foods, like fats or starch, may need first to be processed and converted into simpler forms or to sugar to be useful in the same way.


Imagine if our ancestors disliked the taste of fruits, the taste of sugar, what chances would they have had to survive?


And affinity to sugar is not limited to humans. Many animals and insects like sugar so much that they would prefer it to any other food. Children, innocent and sharper in their biological instincts than grown ups, love sugar and its derivatives. In fact, some insects, like bees, are actively producing honey, which is basically sugar. Sugar is mainly available to us through plants. Fruits, which often carry the reproductive seeds of the plant, yes honey, are the main source of sugar in our earthly ecological system. In fact, it is fair to say that Sugar is the Universally Accepted Energy Currency between living beings. It is also the most convertible Energy Currency. Sugar is truly the building block of life. A team of scientists recently discovered the presence of sugar lurking some 26,000 light-years from Earth in the center of the Milky Way [1].



Our tongues recognize the molecules of sugar by their shape! The sugar molecules fit specially-shaped cavities in our tongues. When these "pits" are filled, our nerves send a signal to the brain shouting, YAHOO, sweet! Evolution has programmed our brains to find nutritious material tasty and label organic material which we can not digest as yucky! Recent research suggests that sugar is addictive, just like drugs. Sugar and the taste of sweet stimulate the brain by activating beta endorphin receptor sites.

In 2003, studies that focused on brain chemicals, known as opioids showed that some addictive drugs like heroin or morphine activate the opioid system to produce a pleasurable response that many believe helps fuel a longing or craving for more drugs and may cause withdrawal symptoms when the drug is stopped, elements which are key to the addiction process. Whether through opioids or some other brain chemical, the scientists suspect that sweets like drugs can activate an "incentive system" in the brain that helps reinforce behaviors [2]. In 2008, Bart Hoebel , a professor of psychology at Princeton University, explained that ".. evidence from an animal model suggests that bingeing on sugar can act in the brain in ways very similar to drugs of abuse." [3]


In Arabic, Sugar is the name of the disease associated with unhealthy Sugar levels in the blood, diabetes. Sugar nowadays is seen as a main reason behind obesity. But for so many millions of years, that was hardly a problem. Finding enough food, energy enough for survival was a tough challenge.


You ask someone, why is sugar sweet, and they will most likely say, because it tastes nice. Or they will give you the answer related to the specially-shaped cavities in our tongues. Or they will say because our brains like it. All are possible answers. But I think that sugar is sweet because of its importance to survival and because of evolution. Animal species which could easily identify and develop a liking for this Universal Currency, Sugar, survived and propagated. Other species which were less sharp in recognizing and differentiating between good money from counterfeit money, just went bankrupt more easily. That is why they are sadly not with us today.


And I think that is precisely why sugar is sweet. Because those who thought sugar is sweet and likeable survived. Sugar repaid them the compliment.


How sweet was that of sugar!


Isn't sugar really sweet?!


.

.

.

.
References:


.

.

.

Sunday, December 07, 2008

Citizenship: Rebuilding the Bonds 2

إعادة بناء

روابط الانتماء


2


وائل نوارة

مجلة الإصلاح الاقتصادي CIPE نوفمبر 2008




الفساد

هناك تعريفات عديدة للفساد، ولكن ببساطة، يمكننا أن نعرف الفساد بأنه خلل في منظومة الحقوق والواجبات في المجتمع، يعطي أفراداً أو جماعات حقوقاً غير مستحقة، على حساب الافتئات من حقوق الآخرين، أو يعفي مجموعة معينة من الواجبات أو الخضوع للقوانين المتفق عليها في المجتمع نتيجة لاقترابهم من السلطة أو قدرتهم على التأثير فيها بالمال أو غيره. ويأخذ الفساد في مصر عدة أشكال:

* شبكة الفساد الصغير: وهذه الشبكة عبارة عن قنوات محددة للاستثناءات، تمكن الوكلاء السياسيين للدولة من القفز فوق القوانين المانعة، أو تيسير الإجراءات البيروقراطية، ليس بالضرورة عن طريق الرشاوى الصريحة، بل أيضاً عن طريق سوء استخدام السلطة Abuse of Power

* شبكة الإقطاع الجديد: مع خروج مصر من مرحلة رأسمالية الدولة State Capitalism حيث امتلكت الدولة كل أدوات الإنتاج لتسيطر على الحياة الاقتصادية بصورة كاملة، دخلت مصر في مرحلة "رأسمالية وكلاء الدولة" State Agents' Capitalism تحولت فيها مصر لنظام يشبه إلى حد ما النظام الإقطاعي في القرون الوسطى. أصبحت مصر مثل وكالة تمنح التوكيلات للشركاء التجاريين، على شكل مجموعة من الإقطاعيات في مختلف المجالات الاقتصادية، حيث يقوم "وكلاء النظام" بالقيام بدور رأسمالية الدولة ولكن هذه المرة لصالح النظام والحكام وبالمشاركة في الريع معهم ومع كبار المسئولين بصورة مؤسسية، مثل قطاعات الحديد والأسمنت والسيراميك والسجاد والاتصالات والسياحة والعبارات والبث التليفزيوني الخاص والمدن الجديدة واستصلاح الأراضي، عن طريق مجموعة محددة من "رجال الأعمال" الذين تقتصر عليهم التصاريح والتراخيص والأراضي والقروض وهكذا، علاوة على مجموعة من الشركات الأمنية التي تحصل على تعاقدات بمئات الملايين أو المليارات بالأمر المباشر بعيداً عن أي رقابة أو تدقيق. وهذه الشبكة تضخ جزءاً من ريع مثل تلك الأنشطة الاحتكارية في صندوق الولاء، الذي يمول بدوره رواتب "موازية" (مظاريف الولاء) لكبار موظفي الدولة، لضمان ولائهم للنظام، وغيرها من نفقات "موازية" خارج المنظومة الرسمية.


ومع تمدد "الدولة الموازية" وتغول شبكات الفساد المؤسسي، ترسخ شعور المواطن بالظلم وانعدام المساواة، وانهيار العدالة وتكافؤ الفرص، وخاصة مع عدم قدرة معظم المواطنين على الحصول على حقهم العادل من موارد المجتمع.



الهجرة
رأينا كيف يتولد شعور المواطن بالانتماء للوطن والمجتمع من وجود روابط ثقافية واقتصادية واجتماعية بينه وبين أفراد المجموعة، وأن قوة هذا الانتماء تتوقف على مدى قدرة المجتمع على تحقيق توازن في المصالح بين المواطنين، وبين الفرد والمجتمع، بحيث يستطيع كل فرد أن يحقق قدراً معقولاً من أهدافه الشخصية ويشبع حاجاته الأساسية.


وقد اجتمع عجز المواطن عن تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مع الخواء الثقافي والتناقضات الصارخة والمعايير المزدوجة في منظومة القيم، مع انتشار "الاحتراب المجتمعي"، وأدى هذا كله لظهور حالة من الاغتراب القومي نتيجة لإحساس الكثيرين بأن "البلد مش بلدنا"، ونتج عن هذا وجود شعور قوي بالحاجة إلى الهجرة، وشعور بالانفصام القومي، نتيجة لمجموعة ضخمة من المتناقضات والمتباينات، وأخيراً حالة مزمنة من الإحباط والاكتئاب القومي وشعور عام بالحصار وفقدان الأمل في الخروج من هذا الحصار.


وقد رأينا أنواعاً عديدة من الهجرة التي عبرت عن تلك الحالة، فعلى سبيل المثال نجد من يلجأون إلى الهجرة المكانية، فيحاولون مثلاً الهجرة إلى دول الشمال الغني، أو شرقاً أو غرباً إلى دول النفط. ورغم أن تحويلات العاملين بالخارج والمهاجرين قد تشكل مصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي والنقد الأجنبي، إلا أن خسارة الدولة بهجرة خهيرة عقولها ومواهبها ليضيف هؤلاء للمزايا الاتنافسية لاقتصاد مجتمع ودولة أخرى، هي خسارة فادحة، وخاصة عندما يكون منطق الأمور و"كتالوج الحياة" في مصر لا يسمح غالباً بنجاح الموهوب أو المتقن أو ارتقائهما، عندها يصبح الحجم العددي الكبير مجرد إضافة أرقام ضعيفة الفاعلية والأداء لمجتمع أداؤه أصلاً ضعيف.


وهناك من يحاولون الهجرة الزمانية بالتشبه بملابس ومظاهر المجتمعات الإسلامية الأولى مثلاً، ونجد من يعجزون عن الهجرة المكانية فيلجئون إلى الهجرة العقلية إلى الشمال أيضا بأن يحيطوا أنفسهم بمظاهر الحياة في المجتمعات الغربية من موسيقى وملابس وأثاث ومعمار وغيرها من مظاهر الحياة الغربية، ونجد آخرون وقد وجدوا العلاج في ذهاب العقل برمته باللجوء للمخدرات في أشكالها المختلفة، ولا يجب أن ننسى من يهاجرون إلى الآخرة سواء بالانتحار أو "بالاستشهاد" في عمليات فدائية تحاول مقاومة الواقع المرير بمبادلته بأغلى وأقصى ما يستطيع إنسان أن يقدمه، وهو حياته.



العصيان المدني غير المعلن

ومع تفشي الظلم وغياب العدالة الاجتماعية وتآكل روابط الانتماء، يدخل المواطن في حالة "عداء" مع الحكومة أو الدولة التي تمثل الوطن وتجسده، ويبدأ المواطن في "الانتقام" من تلك الدولة التي افتئتت على حقوقه وفشلت بصورة مزمنة في توفير الحياة الكريمة له كمواطن، ونتيجة لما يلمسه من فساد القوانين وتخلفها وتعنتها، وفقدان النظام للشرعية، ومختلف الأسباب التي أدت إلى تراكم الإحباط والتعاسة والاكتئاب له ولأسرته ولباقي المواطنين. ويظهر هذا العداء في عدم احترام القوانين، والتنصل من أداء واجبات "المواطنة"، مثل التهرب من الضرائب والجمارك، بل والتحايل مثلاً لعدم أداء الخدمة العسكرية، في حالة تشبه العصيان المدني غير المعلن، لدرجة التباهي بالتحايل على القانون وخرقه، بعكس الدول المتقدمة حيث يكون هذا مدعاة للخزي والنبذ من المجتمع.


استعادة الانتماء

رأينا كيف يؤدي تآكل روابط الانتماء لحالة خطيرة من "العداء" بين المواطن و"الدولة" التي تجسد مفهوم الوطن، بما يقف كعقبة كؤود أمام التقدم والتنمية، بل ويؤدي لانفراط عقد المجتمع، نتيجة لاهتراء خيوط الانتماء التي تربط المواطنين ببعضهم ببعض من ناحية، وتربطهم "بالوطن" من ناحية أخرى.


ولذلك، لابد من اتخاذ التدابير والسياسات على المدى القصير والطويل، بهدف إعادة بناء وغزل خيوط الانتماء، حتى تنتظم الحبات المنفرطة في عقد الوطن مرة أخرى، ليتحرك المواطنون في اتجاه واحد لتحقيق رؤية واحدة، تؤدي لرفعة الوطن وتقدمه، وفي نفس الوقت رفاهية المواطنين ورخائهم.


وأول هذه التدابير كما نتصور، هو المكاشفة والمصارحة بالمرض الخطير الذي تسلل إلى قلوب وعقول الملايين من أبناء الوطن ليغتال انتمائهم للوطن أو يزعزعه، فبدون الاعتراف بالمرض لا يمكن طلب العلاج أو الالتزام به. ويصاحب ذلك استعراض للأسباب التي أدت للإصابة بذلك المرض وتغوله واستفحاله. ثم إعلان رؤية قومية للخروج من هذا المأزق، وإعادة تعريف الوطن والمواطنة على أسس جديدة. أما أن نتغنى بأناشيد مثل "ما تقولش إيه ادتنا مصر، قول حندي إيه لمصر" والاكتفاء بذلك دون حل المشاكل العويصة التي تواجه الانتماء في بلادنا، وهي المشاكل التي تسأل عنها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، الأنظمة الشمولية السلطوية، وهي أنظمة أثبتت عبر عقود طويلة افتقارها للرؤية أو الموهبة عدا في تجميد الأوضاع والحفاظ على مقاعد الحكم بصرف النظر عن معاناة الوطن والمواطن، هنا نكون كمن يعالج السرطان بأغنية "الدنيا ربيع والجو بديع" دون أن يأخذ اي علاج من ذلك المرض الخطير.


العـقـد الاجتماعي

ويلي ذلك إعادة صياغة هذا "التعاقد" المجتمعي، أو العقد الاجتماعي، في صورة "دستور" عصري يخرج من رحم الأمة، وينتج من تفاعل مختلف قطاعاتها الجغرافية والمهنية والفئوية التي تمثل مختلف المصالح المتباينة، في حوار وطني حقيقي، وليس عملية شكلية محددة النتائج سلفاً. إن هذا الدستور هو الذي يجسد مفهوم المواطنة، ويحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، وينظم عملية بناء مؤسسات الدولة، والحدود التي تفصل سلطاتها المختلفة، حتى لا تجور سلطة على أخرى كما هو حادث الآن، وهو ما أدى لهذا الوضع الخطير الذي ينذر بكوارث وانفجارات مجتمعية بدأنا نرى بكل اسف بوادرها ونلمس عواقبها الوخيمة.


وهذا الدستور ايضاً يرسم خطوط ومساحات الملعب السياسي، وقواعد العملية السياسية، التي تؤدي إلى تمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار المجتمعي، بصورة ديمقراطية، وينظم عملية تداول السلطة على كافة الأصعدة، بدءاً من الإدارة المحلية متمثلة في عمدة القرية والمجالس المحلية، ورئيس المدينة، ومحافظ الإقليم، وصولاً لنواب الشعب الذين يمثلون السلطة التشريعية، وقيادات السلطة القضائية والتنفيذية.


والخطوة التالية، هي عملية شاقة وطويلة من تنقية القوانين واللوائح وإعادة تصميم النظم الإدارية لتصبح أكثر اتساقاً مع الواقع والعرف، حتى تنتفي الحاجة تدريجياً للدولة الموازية ويعود ولاء المواطن للدولة الرسمية التي تجسد مفهوم الوطن. إن إعادة تصميم هذه القوانين واللوائح، يجب أن يصاحبه جهد إعلامي وثقافي دءوب لإعادة ترسيم وترسيخ القيم الحاكمة للمجتمع التي تشكل "طريقة الحياة" Culture أو "كتالوج الحياة"، "منطق الحياة" أو "برنامج الحياة" أو "لوغاريتم" الحياة Life Algorithm في هذا الوطن والتي تحدد طبيعة التعاملات، ثواب المتقن، عقاب الفاسد، احتضان الموهوب، الترحيب بالمبادر، مد العون لغير القادر، سيادة القانون والمساواة أمامه، إلخ ... .


هذا "المنطق" هو الذي يحدد "إذا فعلت كذا يحدث كذا"، لأن المنطق الموجود حالياً يكافئ الفاسد والمنافق والراشي ويتغاضى عمن يخرج عن القانون أو يرتشي، يحتضن أصحاب المحسوبية والتوصيات والاستثناءات، ويعاقب أو يتوجس من المبادر أو الموهوب أو الناجح ويترصد للمتعثر بالمشانق. هذا المنطق أو القانون الجديد، لابد أن نتبناه في حياتنا، وننشره بالقدوة من أعلى إلى أسفل، ونعلن عنه في كل مناسبة بصورة متحضرة راقية بعيداً عن النصائح والمحاضرات المباشرة والعظات المبتذلة.


ونتيجة تطبيق "الكتالوج الجديد" لابد أن تظهر في أن تعود الدولة الرمسية لتحل مكان الدولة الموازية، فيشعر المواطن أن خدمات التعليم والصحة والرصف والصرف والأمن والعدالة والترخيص تفي باحتياجاته الحياتية، وأن قوانين الإسكان والمرور والنقل والهدم والبناء قوانين منطقية وواقعية، وأن التعامل مع الدولة الرسمية يمكن أن يكفيه شر الدولة الموازية، فينتقل ولاؤه من الثانية للأولى.


نتيجة تطبيق المنطق الجديد أو "الكتالوج الجديد" للحياة في مصر، لابد أن يراها المواطن العادي في تقلص الفساد، وعقاب رادع للفاسدين، بعيداً عن تسييس القضاء والضغط عليه في إصدار أحكام البراءة على القتلة ولصوص المليارات ومافيا الأراضي والمحتكرين، أو نحر الشهود في السجون وادعاء انتحارهم، للتغطية على جرائم الأصدقاء والمحاسيب. وهذا كله لا يأتي إلا بطلاق بائن بين السلطة والاحتكارات الاقتصادية، فمن غير المنطقي أن يظل المواطنون على انتمائهم بينما يسمعون أخباراً عديدة تصنع في النهاية رأياً عاماً قوامه التالي – بصرف النظر عن صحته:


أحد رجال الأعمال القريب من السلطة - يشتري 10% من حصة الدولة في أحد أكبر مصانع الحديد بسعر يراه البعض بخس ممول بقروض البنوك

ثم يصبح رئيسا لمجلس الإدارة ويستحوذ على الشركة

ثم ينخرط في الحزب الحاكم ويصل لأعلى المناصب فيه

وتخصص له ملايين الأمتار في المناطق الصناعية

ويصبح أكبر محتكر للحديد في مصر

تصدر قوانين الإغراق وتطبق لخدمة مصانعه

يصبح عضواً في مجلس الشعب

يصبح المسئول عن صياغة قوانين منع الاحتكار وغسيل الأموال، وتصدر تلك القوانين بصياغة غير كافية لدرء الأخطار عن المجتمع من وجهة نظر الحكومة والوزير المسئول

يصبح مسئولاً عن إدارة تنظيم الحزب الحاكم وبالتالي يتمتع بسلطة ضخمة في توجيه مسار الانتخابات القادمة
تصل ثروته طبقاً لتقديرات البعض إلى 40 مليار جنيه



المواطنة الاقتصادية

فلا يكفي أن نتشدق بالجانب القانوني أو السياسي للمواطنة، من تحديد للحقوق والواجبات وترسيخ المساواة بين جميع المواطنين في تلك الحقوق والواجبات دون تمييز، ثم نجد تفاوتاً واسعاً بين "حظ" المواطن القاهري وزميله "السوهاجي" مثلاً من موارد الدولة ورعايتها واهتمامها، هنا يصبح الكلام عن المواطنة من باب النيات الحسنة، بل يجب أن يمتد مفهوم المواطنة ليشمل الجانب الاقتصادي، من حيث المساواة في "إتاحة الفرصة"، ليس المساواة في الدخول أو إثابة العامل بمثل العاطل، بل المساواة في صنع الفرص، وإتاحة الآليات التي تشجع على الحراك الاقتصادي والاجتماعي Social and Economic Mobility، بحيث لا يكون هناك مواطن "سجين" أو "معتقل" أو "محاصر" في "طبقة" اقتصادية أو اجتماعية نتيجة لموقعه الجغرافي، أو لونه أو عقيدته، بل يجب أن تتدخل الدولة بالحوافز الإيجابية التي تشجع التنمية الشاملة، وتسعى لتحقيق تكافؤ الفرص في نصيب كل جزء من أجزاء الوطن، وكل فرد من المواطنين، في تلك التنمية. إن أقوى آليات هذا الحراك المنشود، هو إتاحة واسعة لمستوى مقبول من التعليم والتدريب في كل أرجاء الوطن، وتحفيز الشركات المحلية والعالمية على الاستثمار الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي والخدمي في مختلف المناطق، بما قد يتطلب نوعاً من التمييز الإيجابي أحياناً لمناطق محرومة، وهو تمييز مؤقت، ينتهي عندما ينتفي السبب من وجوده، عندما يصيب المنطقة المحرومة حظ عادل من التنمية و"الفرصة" Opportunity.


إن أفضل علاج للاكتئاب القومي الذي ذكرناه، هو إتاحة "فرص" الحراك الاقتصادي والاجتماعي على أوسع الأصعدة، لأنه من الممكن أن يقبل الشخص بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية ويتكيف معها لفترة، إذا رأى أمامه الفرصة متاحة لتحسين وضعه، أما إذا شعر المواطن بأنه محاصر في ذلك الركن المضغوط دون أمل في الإفلات، فإنه يصاب بالاحباط والاكتئاب المزمن، أو ينقض بالهجوم لينتقم من ذلك المجتمع الظالم الذي حاصره وسجنه تحت تلك الضغوط التي لا يمكن احتمالها للأبد.



الخلاصة



لقد سقط نصف قرن من عمر الأمة المصرية، وتجمد الزمن عند نقطة معينة، بل إنه في كثير من الأحيان تستيقظ في الصباح وتفتح ما يسمى بالصحف القومية لينتابك شعور بأنك ربما قد طال نومك لما يقرب من ربع قرن، ترى العناوين وينتابك شعور بأنك رأيت نفس العناوين من قبل آلاف المرات في كابوس يمثل الجحيم بعينه. فالبعض يرى أن الجحيم ما هو إلا تعذيب أبدي يتكرر يوماً بعد يوم دون أي أمل في مجيء نهاية له، حتى المؤبد هناك فرصة للعفو والتخلص منه عند انتهاء نصف المدة، ولكن أن تذبل كل فرص التغيير فهذا أمر لا يمكن احتماله، لأنه يعني أن الإنسان يسير في نفق مظلم لا نهاية له، وبالتالي فقد اتخذ الكثيرون القرار بالتوقف عن السير، وهو ما نسميه بالـ apathy لأن كلمة السلبية لا تستطيع التعبير عن تلك الحالة المفزعة من التوقف عن الحياة.


ومع اختلال "منطق الحياة" أو "كتالوج الحياة" في مصر، وتغول الفساد والمحسوبية وتمدد الدولة الموازية على حساب الدولة، وانتفاء الشعور بالمساواة أو العدل أو تكافؤ الفرص، أخذت خيوط الانتماء تتآكل وتهترئ يوماً بعد يوم، حتى جاء الوقت الذي اقتربنا فيه من انفراط عقد المجتمع، ليتبعثر المصريون أفراداً وجماعات تتجمع أو تتنافر لحظياً طبقاً لمصالح عشوائية لا رابط بينها، مع غياب أية آلية ديناميكية تتكفل بالوصول إلى توازن بين مصالح تلك الجماعات وأولئك الأفراد والحفاظ على مثل ذلك التوازن، وهو ما نرى بوادره الآن مع تفشي حالة من "الاحتراب المجتمعي" والعداء بين "المواطن" وبين الدولة الرسمية التي تجسد مفهوم هذا الوطن.


لقد أصبح علينا الآن أن نسارع بعلاج تلك المشكلة الخطيرة، وعلاجها ليس بالسهل أو السريع، ولكنه عملية شاقة ومشوار طويل نعيد فيه ترسيم ثقافتنا القومية والقيم الحاكمة للحياة في مصر، نضع فيه قواعد "كتالوج الحياة" في مصر، من خلال عملية تفاعل وحوار مجتمعي حقيقي نتحاور فيه ونتناقش حول "الأيديولوجية المصرية"، لنعلن أسلوبنا المصري الخالص، الذي نستجيب من خلاله للمعضلة الأساسية التي تواجه كل شعب وأمة: تحد البقاء.

Citizenship: Rebuilding the Bonds 1

إعادة بناء

روابط الانتماء

1

وائل نوارة

مجلة الإصلاح الاقتصادي CIPE- نوفمبر 2008





يتناول هذا المقال مفاهيم الوطن، والمواطنة، والانتماء للوطن، باعتبارها مفاهيم ترتبط بتحقيق منافع مادية ومعنوية للمواطن، الذي يقبل ضمنياً الانتماء للوطن، باعتبار أن هذا الانتماء يحقق له هذه المنافع، ويتيح له حقوقاً تتيح له الحياة بصورة أفضل مما كان الحال في حالة غيابها، وأنه في مقابل هذه المنافع والحقوق، يأتي انتماء المواطن للوطن، ويأتي استعداده للدفاع عن هذا الوطن وعن النظام العام الذي ينخرط فيه المواطنون، من أجل رفعة هذا الوطن، وبالتالي رفعة المواطنين الذين ينتمون له. وينظر المقال "للانتماء" باعتباره "الحبل" أو "الخيط" الذي ينتظم المواطنون في عقده حول مفهوم الوطن، ليربطهم ببعضهم البعض ويربطهم جميعاً بذلك الوطن.


الوطن


يرتبط مفهوم الوطن برقعة جغرافية معينة، يسكنها شعـب بصورة مستقرة لفترة طويلة، تشكلت معها هويته الحضارية وانتماؤه لهذا الوطن، وكون فيها دولته القومية التي تجسد مفهوم هذا الوطن. فقد بدأ البشر منذ عشرات القرون، ينتظمون في مجتمعات تعاونية حضارية، بدأت كقرى صغيرة، تطورت لتصبح مدناً ثم دولاً اكتسبت تدريجياً الشكل الذي نجده اليوم. فقد نشأت الدول كحل إداري وتشريعي تطور بالاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع ومجموعات المصالح المختلفة، وجاءت القوانين لتنظم العلاقة بين أفراد المجتمع ومجموعاته. ولكي تستقيم الأمور، كان على أفراد المجتمع أن يتنازلوا عن جزء من حريتهم المطلقة في العمل والحركة، ويسددوا جزءاً من عوائد أنشطتهم الاقتصادية للدولة التي ينتمون إليها، ويشاركون في بناء المجتمع كمواطنين فيه، من أجل أن يحصلوا على متطلبات أساسية، لا يمكن لأي منهم أن يوفرها لنفسه أو لمجموعته بصورة منفردة. ومن هذه المتطلبات الجماعية، الأمن، والعدالة، والمرافق والخدمات العامة، من مياه وكهرباء وطرق ومواصلات ونظم ري، وتعليم وصحة، ... إلخ. ويرتبط مفهوم الوطن عادة بمفهوم الدولة، رغم أن بعض الجماعات قد تنظر لرقعة جغرافية ما على أنها الوطن الموعود أو القومي أو التاريخي لها، رغم عدم وجود دولة على تلك الرقعة، تجسد مفهوم هذا الوطن.


المواطنة


المواطنة، ما هي إلا انتماء مواطن لوطن، يتمتع معه المواطن بوضع قانوني وسياسي ومزايا والتزامات اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالمواطنة تعبر عن انتماء الأفراد للوطن بما يتضمنه ذلك من حقوق للأفراد، وواجبات ومسؤوليات تقع عليهم تجاه الوطن الذي ينتمون له.


وتشمل المواطنة الحقوق القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين في الوطن الذي يحتضنهم، بما يضمن تمتع جميع المواطنين بالمساواة دون أن يقع على أي منهم أي نوع من أنواع التمييز القائم على الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري.


العلاقة بين الوطن والمواطن
فالعلاقة بين الوطن والمواطن إذن تظهر على أكثر من محور:


* قانوني: فهذه العلاقة لها شق قانوني يشبه التعاقد الضمني، يشمل الحقوق التي يتمتع بها المواطن والواجبات التي تقع عليه، ولعل الدستور هو الوثيقة الأساسية التي تجسد بنود هذا العقد الاجتماعي

*سياسي: أن يشارك المواطن في صنع القرار المجتمعي

* ثقافي: هو مخزون تراكمي من القيم المشتركة والتراث التاريخي والحضاري، تتجسد في مجموعة ضخمة ومتشابكة من العادات والتقاليد والسلوكيات ونظم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالقيم المشتركة هي التي تشكل الضمير والعقل الجمعي للمواطنين، وهي التي تحدد بنيان وطبيعة نظم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي ترسم طريقة الحياة أو "كتالوج الحياة" على أرض الوطن

*اقتصادي: أن يستطيع الفرد نتيجة لهذا الانتماء أن يحصل على احتياجاته الأساسية، من خلال انخراطه في المنظومة الاقتصادية لهذا الوطن وتفاعله معها، وهذا هو مفهوم المواطنة الاقتصادية، ويرمز له البعض بالعدالة الاجتماعية

*اجتماعي: أن يتمتع الفرد بالعلاقات الاجتماعية التي تربطه بهذا الوطن، من خلال علاقات قرابة وصداقة وزمالة وجيرة لمواطنين آخرين

*معنوي أو نفسي: ونتيجة لكل ما سبق، يتولد لدى المواطن شعور بالانتماء للوطن، وهو شعور نفسي لدى الفرد بعضوية كيان اعتباري هو الوطن، والتضامن مع المواطنين الآخرين بناء على الاشتراك في التاريخ والمصير.

فالعوامل أو الروابط التي تتحكم في الانتماء لوطن لها شقان على الأقل، أحدهما يقع في الماضي بتراثه وذكرياته، والآخر يكمن في الموافقة الجماعية على العيش المشترك في الحاضر والمستقبل. ويمكن أن نقول أن الشق الأول الذي يقع في الماضي هو شق قدري لا يملك المواطن أن يتحكم فيه، ولكن الشق الثاني هو شق اختياري، لأننا قد نجد بعض المواطنين وقد عجزوا عن الحياة في الوطن، أو عجزت الحياة في ذلك الوطن عن أن توفر لهم احتياجاتهم الحياتية الأساسية، فيلجأون للانتساب لوطن آخر بصورة اختيارية عقلانية و – أو عاطفية.

ويمكننا أن نتصور هذه العوامل أو الروابط، مثل الخيوط الدقيقة المغزولة معاً، والتي تتجمع لتكون حبل الانتماء. وعندما تتآكل تلك الخيوط واحداً بعد الآخر، يهترئ حبل الانتماء، حتى ينقطع أو يكاد.

فعندما يفقد المواطن حقوقه القانونية المكفولة له بموجب الدستور، أو تفتئت الدولة أو من يمثلها من موظفي العموم أو ضباط الشرطة على حريته أو كرامته كمواطن، أو يفتقد الشعور بالأمن، أو تتعطل منظومة العدالة، أو تغتال ممارسات الدولة والمجتمع أبسط قواعد المساواة وتكافؤ الفرص، أو يشعر "المواطن" أن رأيه لا يقدم ولا يؤخر، وأن صوته الانتخابي مهدر، وأن القرارات الاجتماعية تصدرها طبقة حاكمة بمعزل عنه، والأسوأ أنها لا تمثله ولا تراعي مصالحه، عندها، تنفصم بعض خيوط الانتماء.

وعندما يشعر المواطن بالاغتراب الثقافي، وبأن القيم الحاكمة في المجتمع، لا تتوافق مع قيمه الشخصية، بل وتتعارض معها في تضاد وتنافر، وأن منطق الحياة في المجتمع لم يعد يكافئ المجد أو الماهر أو الموهوب، بل أن المنافق والفاسد والممالئ للطبقة الحاكمة على حساب مصالح الوطن والمواطنين، هو الذي يتبوأ مقاليد الأمر والنهي ... عندئذ لابد وأن تتآكل خيوط أخرى.

وعندما تعجز قوانين ونظم الدولة التي تجسد مفهوم الوطن في الوفاء باحتياجاته الحياتية، من رعاية صحية، وخدمات تعليمية، وتأمين اجتماعي، وأمن وعدالة، فيضطر للجوء لقوانين ونظم بديلة في الدولة الموازية، يصبح فعلياً ولاؤه مزعزاً بين الدولة الرسمية والدولة الموازية. وقد يسأل سائل، أليست "الدولة الموازية" هي فكرة نظرية، بمعنى أنه لا توجد فعلياً دولة "رسمية" باسم الدولة الموازية، طبقاً لتعريف الدولة الموازية نفسها؟ فكيف ينتمي المواطن لدولة غير موجودة رسمياً؟

وهنا نرد بمثال بسيط، عندما يضعف أو يختفي دور الدولة في المجالات التي ذكرناها، وتأتي جماعة أو حزب أو جمعية أو شخص، ليقوم بتقديم هذه الخدمات بدلاً من الدولة الرسمية، فيفتتح عيادة طبية بأسعار رمزية في مسجد مثلاً أو كنيسة، كبديل عن الخدمات الطبية المنعدمة أو فاحشة التكلفة في تلك المنطقة مثلاً، ثم يلحق بها عدة فصول للتقوية تعويضاً عن فشل أو عجز أو تدهور أو قصور النظام التعليمي الرسمي، ثم يبدأ في تخصيص مبالغ شهرية من عائد الزكاة أو النذور أو التبرعات لمساعدة الأسر الفقيرة بتخصيص "معاشات" شهرية لتلك الأسر، كبديل عن الضمان الاجتماعي الذي لم تقدمه الدولة الرسمية، وهكذا.

مع كل هذا، ألا يتحول ولاء المواطن ليصبح مرتبطاً بهذه الجماعة أو الجمعية أو المسجد أو الكنيسة، بسياساتها وشخوصها ومصالحها، بدلاً من ولائه للوطن الأصلي؟ وعندما تعرض له قضية وطنية أو سياسية، ألا يأتي قراره بناء على مصالح أو توجيهات قادة الدولة الموازية التي تفي باحتياجاته؟ هنا نكتشف أن انتماء وولاء المواطن يصبح للمسجد أو الكنيسة أو الجمعية أو صاحب العمل أو عضو مجلس الشعب الذي يفي باحتياجاته الحياتية، وتصبح مصلحة تلك الدولة الموازية مقدمة على مصلحة الدولة الرسمية التي تجسد مفهوم الوطن الأصلي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، إذا لم يجد المواطن العمل الشريف الذي يساعده على توفير احتياجات الحد المعقول من الحياة الكريمة لنفسه ولمن يعول، أو شعر بأنه لا يحصل على النصيب العادل من القيمة المضافة في المجتمع، نتيجة لتشوهات إدارية أو تشريعية، أو نتيجة للفساد والاحتكارات وتزاوج السلطة والثروة، عندها تتآكل خيوط الانتماء بصورة خطيرة، لأن الاحتياجات الأساسية لا يمكن الاستغناء عنها أو التغاض عن نقصها.

وإذا احتدمت المنافسة بين أفراد المجتمع، واستشرت ثقافة التزاحم والندرة، وتمركزت علاقة الفرد بمن حوله في التصارع على مكان في طابور العيش، أو طابور العمل، أو طابور التحاق الأبناء بالمدارس أو الجامعات، أو موطئ لقدم في المواصلات العامة، أو مكان للسيارة في الشارع أو الجراج، وتفشت حالة من "الاحتراب المجتمعي"، عندئذ تصبح علاقة الفرد بالمجتمع علاقة تنافس وتناحر، ويجد كل شخص نفسه وهو يتمنى السوء لغيره، حتى يفسح له مكاناً، ثم يتحول هذا الشعور لشعور عام، غير مرتبط بمنافسة محددة، فيسود المجتمع موجات من الطاقة السلبية بل وكراهية الآخر، وحالة من العداء والغضب الكامن، الذي يطفو على السطح وينفلت مع أي استثارة اقتصادية أو طبقية أو طائفية أو حتى حادث سيارة منفرد على طريق سريع.

وفي نفس الوقت، ومع المصاعب الاقتصادية، التي تحول بين المواطن وبين الزواج مثلاً أو تؤخره، يعاني الأفراد من حالة من الحرمان العاطفي والجسدي، ويفتقدون الحب، وتكوين الأسرة، التي تربط الفرد بالوطن في العادة، أو يكونون أسراً هشة البنيان، سرعان ما تنهار تحت ضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فيخرج الفرد من هذه التجربة وقد ازداد شعوره بالمرارة تجاه المجتمع والوطن أضعافاً مضاعفة، عندئذ تكون روابط الانتماء على وشك الانفصام بصورة تامة.

هنا، يشعر المواطن بأن الوطن قد خذله، وبأنه قد وقع ضحية لانتمائه القدري لهذا الوطن، ويفقد تدريجياً الإحساس بالتضامن مع زملائه المواطنين.

عندها، قد يأخذ المواطن واحداً من عدة طرق. فالبعض يلجأ للهجرة، والبعض يستمر في حياته محاصراً بهذه الضغوط، يقاوم الإحساس باليأس والعجز والإحباط كلما استطاع، أو يسقط فريسة للأمراض النفسية والعصبية والعضوية، والبعض يعيش حياته الخاصة غير عابئ بما يحدث حوله، مجتهداً أن يبني سوراً منيعاً، يحميه من أذى المجتمع المحيط، ويمنع ذلك الأذى عنه وعن أسرته.



Wednesday, December 03, 2008

National Monologue - 2005 Archives

من أرشيف 2005


المصري اليوم فبراير 2005




الإصلاح بعد نقطة


انعقد الحوار الوطني ثم انفض، وأحيل ملف الإصلاح للسيد الرئيس، ليقول كلمته في بنود الإصلاح وفحواها وتوقيت كل من تلك البنود. ويرى أحد الأصدقاء من دكاترة السياسة، أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع السلطة في مصر، منذ عهد الفراعنة وإلى الآن، فهي سلطة أبوية لها وجهان، أحدهما يتميز بالحنان والكرم، والآخر يكشر عن الحزم والشدة. والحصول على الوجه الأول - وجه الحنان والكرم - يتطلب الأدب والحلم، والتماس الطلبات في خنوع وخضوع، وتواضع وخشوع. أما أسلوب المطالبات والعرائض من عينة "لقد خلقنا الله أحراراً"، فلا يؤدي لنتيجة، سوى التفاف رأس السلطة، ليظهر وجه الحزم والشدة، وهراوات الأمن المركزي، وحصول رءوس المعارضة المتبجحة على كميات كبيرة من الشاش والقطن الطبي.


وإذا اقتنعنا بهذا التحليل، فيجب أن نشكر رؤساء الأحزاب المصرية، ونقدر لهم عميق فهمهم لآداب التعامل مع الحكم الأبوي، ولكننا نقترح أن يتم الحوار الوطني القادم في ميدان السيدة زينب، بحيث يجلس رؤساء الأحزاب على الرصيف، ولا بأس أن يطيلوا الذقون ويعفروا الوجوه بالتراب مثل المجاذيب، إظهاراً للغُلب والاستكانة وقلة الحيلة، وتأكيداً على روح التسول والمسكنة، ويستحسن أن يكون موعد الحوار قريباً من وقت الغروب، بحيث يكشف رؤساء الأحزاب عن رءوسهم حاسرين وقت المغربية، وترتفع أصواتهم في الدعاء الحار بطلبات تعديل الدستور– آمين. ولا بأس من الاستعانة بالخبراء الموجودين عادة بالميدان، سواء الحاجة "نظاكة" أو "أم سمسم"، وطبقاً لشروط الحوار، لابد من تعيين السيدتين في منصب حزبي رفيع كرئيس أو كنائب رئيس أحد الأحزاب المشاركة، لأن الحوار يقتصر فقط على رؤساء الأحزاب أو نوابهم.


ولقد جاء المقال الافتتاحي بأحد الصحف في اليوم التالي للحوار تحت عنوان "رجالة يا أحزاب مصر" بقلم (س.ر)، وعلى ما أذكر، احتوت الصفحة على عدة صور لشخصيات نسائية، ولم تظهر بها صور لأية قيادة حزبية من الرجال، ولا يمكن أن يأتي هذا كمصادفة، بل أظن أن الكاتب أراد أن يداعب قادة الأحزاب المصرية ويتندر باستكانتهم الشديدة، ولا أعلم ما هو محل التندر، إذا كان هؤلاء القادة الوطنيون قد قاموا بواجبهم في حدود الإمكانيات المتاحة، وطبقاً للسيناريو الموضوع. كما أصر رئيس حزب معارض عريق (ن.ج) على رفض استخدام كلمة "إصلاح" من الأصل، وعلل ذلك بأن الدعوة للإصلاح توحي بوجود "شبهة" فساد، وهو ما لا يتوفر في مصر على الإطلاق. فعلاً اللي اختشوا ماتوا وشبعوا موت، الفاتحة على أرواحهم الطاهرة.


ها هم القادة المغاوير، وقد أدوا دورهم في التوسل والمسكنة على أكمل وجه، وتصديقاً منا لنظرية الصديق الدكتور الخبير السياسي، سوف يأتي الإصلاح قريباً بإذن الله، وليس علينا سوى الانتظار والأدب والصبر الجميل، دون مطالبات حادة سخيفة مزعجة وعالية الصوت، قد تضر بموقفنا التسولي، حتى لا تهشنا السلطة وتنهرنا بعيداً عن الميدان، ونخرج من زفة الإصلاح صفر اليدين، دون الحصول على حسنة قليلة أو دستور جديد.



هناك مشكلة بسيطة، وهي أن الشعب قد يسأل عن موعد الإصلاح المرتقب، وهي بجاحة متناهية من عينة "شحات ويتأمر"، وأعتقد أن الحل أيضاً بسيط، فقادة الأحزاب بينهم أحد أساطين قراءة الكف والفنجان، ويمكن أن يدلنا على موعد الإصلاح بدقة كاملة، سواء بعد نقطة أو نقطتين، بما يعني شهراً أو شهرين، سنة أو سنتين، مدة أو مدتين، أسرة أو أسرتين، ولكنني أعتقد أن الإصلاح سوف يأتي بعد "نقطة" مؤكدة، سوف تصيب الشعب قريباً لا محالة.



My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook