الاثنين، نوفمبر 02، 2009

Liberal Publications


 

ضد الدولة الإله


 

ثار في السنوات الأخيرة في مجتمعاتنا جدل واسع حول مفهوم الديمقراطية، وطبيعة الدولة، وما إذا كانت الديمقراطية يمكن أن تقوم في دولة دينية، أم أن وجود دولة مدنية أو علمانية هو شرط لقيام نظام ديمقراطي. كما ثار السؤال، ماذا إذا اختارت الأغلبية قيام دولة دينية؟ ألا تتيح الديمقراطية للأغلبية اختيار طبيعة الدولة؟ هل الديمقراطية حقاً هي مرادف لحكم الأغلبية؟


 

والسبب في تصاعد هذا الجدل الصحي يعود لمجموعة من الأسباب، أولها اتساع شعبية المجتمعات الافتراضية على شبكة الإنترنت مثل الفيسبوك، الذي أتاح التفاعل ووجود حالة من الحوار بين فصائل سياسية عديدة لم يكن متاحاً لها أن تتحاور في الماضي. كما أن نشر البرنامج السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر قد أتاح التعرف ربما لأول مرة على نوع "الديمقراطية" التي تسعى الجماعة لإقامتها. وقد ذكر برنامج الإخوان المسلمين فكرة المواطنة من مفهوم نراه منقوصاً ومشوهاً. وأعلن البرنامج أن الإسلام هو دين الدولة وأن "الهوية الإسلامية" هي أساس العقد الاجتماعي، والعلاقات الخارجية، والبناء الثقافي، كما اقترح وجود مجلس ملي أعلى (هيئة كبار علماء الدين)، له الكلمة العليا في النظر في التشريعات. وهنا تبرز تناقضات مخلة، كيف تقوم دولة مصرية على مبدأ المواطنة كما يدعي البرنامج، بينما هي لا ترى أن مصر لها هوية أصلاً، وتصر على أن الهوية الإسلامية هي الأساس التعاقدي للمجتمع؟ وكيف تكون الهوية الدينية هي أساس العقد الاجتماعي في الدولة، التي يفترض فيها ألا تفرق بين مواطن وآخر على أساس الدين؟ وعلى هامش البرنامج ظهر مرشد الإخوان المسلمين ليعلن رفض الجماعة لإمكانية ترشح مسيحي أو امرأة لرئاسة الدولة، ثم أكد على أن الماليزي المسلم أقرب للمصري المسلم من المصري المسيحي، وبهذا نسف برنامج الإخوان المسلمين فكرة المواطنة من الأساس، وأعلن حرباً صريحة هدفها اغتيال الدولة المدنية المصرية وهي بعد في أطوارها الجنينية الأولى!


 

وبالطبع ثارت المناقشات الساخنة في الفيسبوك وغيره من المنتديات حول مفهوم الديمقراطية، وظهر مصطلح جديد لدى مشجعي الإخوان هو "الديمقراطية الإسلامية"، واجتهدوا في الاستشهاد بالآيات والأحاديث والتفاسير، لتعضيد وجهة نظرهم، ناسين أن الموضوع لا يتعلق بتفسير أحد الأديان، ولكن الموضوع في أساسه يتعلق بالدولة، دورها، ووضعيتها الدنيوية باعتبارها ليست كياناً مقدسا، والضمانات التي يتعين على المواطنين أن يحصلوا عليها، حتى لا تجور الدولة على حقوقهم أو حرياتهم، تحت دعاوى دينية أو إيديولوجية أو قومية أو طبقية.


 

هل الديمقراطية تساوي دكتاتورية الأغلبية؟

بداية لابد أن نوضح أن أصل كلمة الديمقراطية يعود للأصل اليوناني dēmos kratos ويعني ببساطة "حكم الشعب" وهو حكم أرضي إنساني محدد بالزمن Temporal قابل للتبديل والتغيير. فالبشر يضعون القوانين والسياسات ويصوتون عليها، ويطبقونها، وبعد فترة يكتشفون أنها تحتاج لتغيير، فيغيرونها، وهكذا في عملية تطور مستمر، وهي عملية بشرية تختلف تماماً عن فكرة "حاكمية الله" أو حاكمية نصوص مقدسة يعكف على تفسيرها "هيئة كبار علماء" أو "مجلس ملي" مثلاً. فالنصوص في الديمقراطية نصوص إنسانية وغير مقدسة، وقابلة للخطأ والتعديل.


 

والديمقراطية مثلها مثل أي نظام بشري، أصابها التطور عبر القرون، لتصبح اليوم منظومة تحتوي على مؤسسات وآليات وضمانات متعددة، مثل الدستور، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، والمواطنة، وحقوق الأقليات، والمجالس التشريعية والمحلية، والانتخابات، وضمانات الرقابة والمساءلة والمحاسبة والحكم الرشيد، وتداول السلطة سلمياً، وهكذا. فالديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية، وهي ليست بالتأكيد دكتاتورية الأغلبية. فليس من حق الأغلبية مثلاً أن تتخلص من الأقليات أو تجبرها على قبول أوضاع دونية، فهذا لا يحدث إلا في النظم الفاشية أو النازية. أما الديمقراطية فهي حكم الأغلبية مع الحفاظ على حقوق الأقلية، وهي حكم الأغلبية مع ضمانات تمنع أن يكرس حزب واحد أو جماعة سيطرتها على الحكم من خلال التحكم في الإعلام والتلاعب بالعملية التعليمية مثلاً لغسل مخ الشعب ومنع التداول المرن للسلطة. فالسياسات والقوانين التي تقرها الأغلبية، من غير المقبول أن تعصف بحقوق الأقلية، مثل حق المساواة، وحرية العقيدة والرأي وهكذا.


 

أما بالنسبة للأحزاب الدينية، فهي تصفق للتعددية وتنادي بها، وتقبل أن تحتكم إلى الديمقراطية، أي حكم البشر، ثم بعد أن تصل لمقاعد الحكم، تخطط لتبديل هذا الوضع، طبقاً لبرنامجها المعلن، والتجارب التي رأيناها في دول تبنت نموذج الدولة الدينية وولاية الفقيه، الذي يحتوي على مجلس ملي أو هيئة كبار علماء الدين، لتصبح المرجعية إلهية لدين بعينه. هذا للأسف فيه هدم لقواعد العملية السياسية التي أتت بالنخبة الحاكمة، وسوف يأتي بالتأكيد على حساب أصحاب الأديان الأخرى، أو غير المتدينين، ولكن أكثر من يتضرر من هذا هم أصحاب ديانة الأغلبية، التي يصبح عليهم أن يلتزموا بنسخة رسمية معتمدة من هيئة كبار العلماء تتحكم في حياتهم، في تعليم أبنائهم، وفي طبيعة قوانين المجتمع التي تحكم المعاملات والتفاعلات الاجتماعية طبقاً لرؤية نخبة دينية تحتكر الحقيقة، بينما أن الحقيقة في النهاية نسبية وقابلة للاختلاف من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ومن مجتمع لآخر، بل ومن زمن لآخر. كما رأينا كيف تحاول النخبة الدينية إعاقة التغيير من خلال عمليات غسيل مخ للشعب عبر الإعلام والعملية التعليمية، لهيكلة العقل الجمعي بصورة تكرس المسايرة والامتثال لحكم الفقيه، وتقتل خلايا الإبداع والتفكير النقدي والرغبة في التطور والتغيير.


 


 

لقد عرفت مصر التداخل بين السلطة ورجال الدين لآلاف السنين، ولكن نظراً لطبيعة التعددية في الديانات المصرية القديمة، وجدنا أن لكل إقليم Nome عقيدته الخاصة، وتصاهرت الديانات وانصهرت في بانثيون كبير قوامه التعددية ... فالاختلافات بين العقائد الأرضية لأوزوريس وهي ديانة عامة الشعب وخاصة في الدلتا، والعقائد السماوية الشمسية لرع ومنبتها أون وكانت ديانة النخبة الحاكمة في الدولة القديمة، أوجدت نوعاً من الصراع السلمي، كانت نتيجته في النهاية توافق رأينا معه أوزوريس يدخل في متون الأهرام ويمسك بالسلم الذي يرتقيه الملك المتوفي إلى السماء، قرب نهاية الدولة القديمة، بعد أن كانت نصوص الأهرام القديمة تحذر الميت من أوزوريس.


 

نفس الشيء حدث بين رع وآمون. كان آمون Amen في البداية إلهاً طيبياً مغموراً (في الأقصر وما حولها)، ثم ارتفعت أسهم آمون في الدولة الوسطى مع انتقال بيت الملك إلى ملوك طيبة، ثم تمازج آمون مع رع في ثنائية آمون-رع، في توافق جديد. وفي لحظة ما، رأينا أخناتون في الدولة الحديثة يقصي كل تلك الآلهة ويقدم معبوداً جديداً، هو آتون، وهو مشتق من إله الشمس القديم أتوم، وجاء هذا ليعصف بالتعددية، وانتقل الحكم إلى تل العمارنة، وشهدت البلاد اضطرابات كثيرة، انتهت بأن عادت مصر مرة أخرى إلى التعددية والاحتواء، ورأينا كيف تغير اسم توت-عنخ-آتون إلى توت-عنخ-آمون.


 

وعندما حاولت الإمبراطورية الرومانية فرض المسيحية، بل فرض "نسخة معينة من الديانة المسيحية" على الشعب، رأينا حمامات الدم التي اجتاحت البلاد وعانى منها غير المسيحيين، ممن ظلوا على ديانات مصر القديمة، والغنوصيين (العارفين)، والهرمزيين، و اليهود، بل والمسيحيين الذي آمنوا بمذهب آريوس السكندري مثلاً، وغيرهم من الذين اعتبرتهم السلطة مهرطقين، فعانوا من اضطهاد غير مسبوق.


 

نفس الشيء عانى منه المسيحيون بعد الغزو العربي، الذي جعل من الإسلام الدين الرسمي للدولة، فقد أصبح أهل البلاد الذين بقوا على دينهم الأصلي، "ذميين"، مواطنين درجة ثانية، وحوصروا بطرق اقتصادية واجتماعية وإدارية شتى، وشعروا بالاضطهاد، مثل أجدادهم المسيحيين تحت الحكم الروماني قبل أن تصبح المسيحية الديانة الرسمية للدولة، أو غير المسيحيين بعدها.


 

إذن، دروس التاريخ علمتنا أن التداخل بين الدين والسياسة قد أدى إلى مشاكل كثيرة في الماضي وفي الحاضر. أما في المستقبل، ومع الوعي المتنام بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة، فإن فكرة الدولة الدينية، سواء إسلامية أو مسيحية لن تكون مقبولة لأصحاب الديانات الأخرى، بل وربما المذاهب الأخرى في نفس الديانة، فيؤدي هذا إلى عدم استقرار في الحكم، وغالباً ما يؤدي إلى تقسيم البلاد، مثلما رأينا في جنوب السودان، وهذا ما لا نتمناه.


 


 

ومنذ شهور قليلة، رأينا أحد القادة الدينيين في العراق، يطالب بأن تصبح الدولة مدنية علمانية، لا تفرق بين رعاياها السنة أو الشيعة، لأنه اكتشف أن الدولة المدنية العلمانية، هي الوحيدة التي يمكن أن توفر حرية العقيدة على أرض الواقع لكل رعاياها، أما الدولة التي تتسربل بغطاء ديني محدد، فإن هذا يأتي بالضرورة ومن الممارسة والتاريخ، على حساب أصحاب الديانات أو المذاهب الأخرى، فيعصف باستقرار البلاد وأمنها، ويعرضها لمخاطر الحرب الأهلية والتقسيم.


 

وفكرة الحاكمية الإلهية، هي فكرة مضللة، لأن الله سبحانه لن يبعث بوحي بصورة يومية ليرشد "البشر" إلى السياسات والقوانين، فهيئة كبار العلماء مهما اتسعت، ما هي في النهاية إلا هيئة بشرية، ولكنها تدعي حاكمية الله، وتقف بين الله والبشر، في كهنوت غير مقبول. حاكمية الله، التي يدعو بها سراً أو جهراً دعاة الدولة الدينية، هي عكس الديمقراطية، التي تدعي أن الشعب، هو مصدر السلطة والتشريع والقانون.


 

المواطنة الحقة، والدولة المدنية، هي جزء أساسي وعمود ركين في منظومة ومفهوم الديمقراطية، فمن غير المنطقي، أن نسعى لاستخدام الديمقراطية في الوصول للحكم، ثم نهدم أركانها، لأننا حينئذ نهدم المبنى كله على من فيه، فنكون من الخاسرين. والديمقراطية هي الضمانة الحقيقية لتداول السلطة، والحكم الرشيد، والفصل بين السلطات، والقضاء على الاستبداد والفساد، والعدالة بين كل أفراد الشعب، أياً كان معتقد، أو لون، أو جنس أي فرد فيهم.


 


 

قواعد اللعبة الديمقراطية

في أي لعبة، النزول إلى أرض الملعب، يتضمن الموافقة الضمنية على قوانين اللعب. نفس الشيء ينطبق على الديمقراطية، النزول إلى أرض الملعـب يتضمن القبول بقواعد العملية الديمقراطية، ومنها المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب الجنس، اللون، العرق، المعتقد، الطبقة الاجتماعية، أو القدرة الاقتصادية ، وأن الشعب هو مصدر السلطات، حيث أن الديمقراطية هي حكم الشعب، حكم البشر، وليست حكم نصوص دينية، وسيادة القانون، وتداول السلطة، بحيث لا يمكن لأي حزب أو جماعة أو نخبة وضع عقبات أمام التداول المرن للسلطة بصورة منتظمة ومنظمة طبقاً للدستور و القانون. كما تشمل تلك القواعد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مثل حرية التملك، والتنقل، والرأي، والمعتقد.


 

فالأغلبية تحكم وفي نفس الوقت تحافظ على حقوق الأقلية. فحكومة الأغلبية تضع السياسات والقوانين ولكنها لا تستطيع أن تنتقص من حقوق الأقلية بمجرد أن تصل للحكم.


 

وهكذا ...


 

فالديمقراطية ليست فقط صندوق انتخابات، بل هي مجموعة من المؤسسات والضمانات التي يجب على كل الأحزاب والجماعات السياسية والمواطنون بل وسلطة الحكم أن تلتزم بها. لابد إذن من أن نتفق على قواعد العملية الديمقراطية قبل أن ندخل في المعترك السياسي ...وقواعد العملية الديمقراطية كما رأينا تسمح بالاختلاف، وترسخ حقوق الإنسان، والمساواة، وغيرها.


 

فمن غير المنطقي إذن أن نحتكم للديمقراطية قبل أن نتفق على قواعدها.


 

أما أن تحتكم جماعة ما للديمقراطية ، بهدف أن تشارك من خلالها في صنع القرار المجتمعي ، بينما أجندتها المعلنة هي الانقلاب عليها، بأن تنتقص مثلاً من حقوق الأقليات فتميز أتباع أحد الأديان على أتباع ديانات أخرى أو تفرض نسخة معتمدة أو مذهباً بعينه على معتنقي دين معين، أو تضطهد غير المتدينين، أو تضع عقوبات على من يبدلون دينهم، أو تشترط أن يكون من يتولي منصب الرئيس من جنس معين أو من معتقد معين، أو تحاول تهميش التعددية الثقافية أو العرقية أو الدينية في المجتمع، أو تهمش من دور المرأة، إلخ، فكل هذا يشكل نية مبيتة للانقلاب على الديمقراطية.


 

فإذا وجدت جماعة بهذه الأجندة، سواء كانت جماعة فاشية، أو نازية، أو متطرفة، فيجب أن تلتزم قانوناً بتنقية برامجها من الأمور التي تتعارض مع قواعد الديمقراطية التي تود أن تستفيد منها وتحتكم إليها قبل أن تشترك في العملية الديمقراطية، لأنه لابد من الاتفاق على قواعد العملية السياسية قبل الانخراط فيها.


 

هل الليبرالية ضد الدين؟

تجتهد بعض الجماعات الدينية في وصم الليبرالية بأنها مرادف للإلحاد، رغم إن الليبرالية ما هي إلا مرادف للحرية والتحرير، تحرير الإنسان وتمكينه من أن يتمتع بحقوقه الطبيعية التي خلقه الله بها، ومنها حقه في أن يعتنق الدين الذي يراه دون ضغط أو إجبار من فرد أو جماعة أو سلطة حاكمة. والأديان في جوهرها جاءت بنفس الدعوة التحررية، فدعوة الرسل والمصلحين الاجتماعيين كانت دائماً دعوات ثورية في وقتها لتحقيق العدالة، وإعمال العقل، وتحرير الإنسان وخاصة الفئات المفتئت على حقوقها مثل النساء والعبيد، ونشر المساواة بين بني البشر جميعاً. وقمة التحرر كان التحرر من السلفية المقيتة، فقد كان أهل قريش مثلاً يقولون إنا رأينا آباءنا يفعلون كذا وكذا، فدعاهم رسول الإسلام لمكارم الأخلاق ونهاهم عن تقليد السلف فيما يجافي العقل والفطرة السليمة. وعندما يحاول البعض اليوم تجميد الدين وقصره على اتباع "السلف الصالح"، نقول له أن الدين جاء ليهدم هذه الفكرة من أساسها.


 

هل من المنطقي أن نتمسك باتباع السلف الصالح أم نبحث نحن عن الصلاح فيما نفعله طبقاً لظروفنا بما يحقق المقاصد الجوهرية في الدين؟ هل نتوقف عن التفكير ونتمسك باتباع تفسيرات واجتهادات بشرية عمرها مئات السنين، أم نجتهد نحن في حل مشاكلنا بما يناسب العصر الذي نعيشه؟


 


 

هل الدولة المدنية ضد الدين؟

المناداة بالدولة المدنية، ليست دعوة ضد الدين أو التدين، وليست محاولة للتحرر من سيطرة الدين على سلوكيات البشر، لأن الدين والأخلاق يسيطران على سلوكيات البشر بصورة داخلية لا يمكن النيل منها، من خلال الضمير الذي غرسه الله في كل إنسان، والفطرة التي فطر الله الناس عليها، فعرفوا الخير والشر من خلالها، وأيضاً من خلال الأديان القديمة والفلسفات الإصلاحية، وبالطبع أيضاً من خلال الرسالات والرسل، وما أتوا به من كتب مقدسة وديانات، بما تحويه من نصائح وعبر، وأوامر ونواه، وسنن وحكم، وما وعد الله به المتقين، وأنذر المفسدين، وكلها عوامل شكلت عبر آلاف السنين، الضمير الجمعي للبشرية، فأصبح ذلك الضمير يمثل وازعاً داخلياً للإنسان، لا يمكن لأية قوة أو سلطة أن تغيره أو تعطل عمله.


 

ولكن الدولة المدنية، هي دعوة للتحرر من طغيان الدولة المتجبرة، الدولة المتغولة في سلطانها وسلطاتها، الدولة التي تريد أن تتقمص دور الله على الأرض، فتبدأ في محاسبة الناس على سلوكهم الشخصي، ماذا يلبسون وكيف يفكرون وفي أي الأنشطة يقضون أوقاتهم، ومدى التزامهم بالعقيدة والعبادات في حياتهم اليومية، وهكذا.


 

وفي الأصل، فإن الله - وهو مطلع على السرائر والنوايا، يحاسب الناس على مثل هذه السلوكيات والعبادات بل والنوايا، أما الدولة، فليس لها إلا المادي الظاهر في حدود القوانين التي تنظم العلاقة بين الناس وبعضهم البعض، ولكنها لا تنظم العلاقة بين الإنسان والله، ولا تتدخل فيها، لأنها علاقة شخصية بحتة، لا يمكن لأحد الاطلاع عليها سوى الخالق عز وجل.


 

الله هو الله سبحانه، الخالق العظيم السميع العليم، ليس كمثله شيء.


 

أما الدولة، فهي مجرد مجموعة من المؤسسات يقوم عليها جيش من الموظفين البيروقراطيين، وهم في النهاية بشر، محدودو القدرات، معرضون للفساد والإفساد، تزيغ السلطة أعينهم. وعبر عشرات القرون، كافح البشر للتحرر من القبضة الطاغية للدولة، حتى ظهرت الدولة الحديثة، بحكوماتها الصغيرة الرشيقة Lean Governments، وسلطاتها المقلصة، وبدور محدد عليها ألا تتعداه، يتلخص في خدمة وإسعاد وحماية المجتمع والمواطنين الذين يعيشون فيه، ومن هنا خرجت فكرة الخادم العمومي Public Servant لتصف الموظف العام من أصغر باشكاتب إلى رئيس الدولة، ونجد شعارات مثل: نخدم ونحمي We Serve & Protect، أو الشرطة في خدمة الشعب، وهكذا.


 


 

وقد تقلصت سلطات الدول الحديثة، نتيجة للنضال الطويل للبشر، في استعادة حقوقهم وحرياتهم، والحصول على حق اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم، من خلال حكم الشعب ومؤسسات الديمقراطية. فالأساس في الإنسان هو الحرية، وعندما بدأ الناس ينتظمون في مجتمعات وقرى ومدن ودول، تنازلوا طواعية أو قسراً عن بعض تلك الحريات، لصالح الدولة وعلى رأسها الحاكم الملك أو الفرعون الذي يحكم بالحق الإلهي، ثم عاد الإنسان واسترد قدراً كبيراً من تلك الحريات بعد صراع مرير، لتظهر الدولة الحديثة، ويختفي الحق الإلهي في الحكم، ويكتسب الحكام شرعيتهم من التفويض المؤقت الذي يحصلون عليهم من مواطنيهم.


 

فالدولة المدنية إذن، هي مجرد تكريس لمبدأ الحكم البشري الدنيوي، وفيه يستمد الحاكم شرعيته من تفويض المحكومين، ويسن المواطنون أو من يمثلونهم الدساتير والقوانين، لتعمل السلطات المختلفة بموجبها وفي إطارها بصلاحيات محددة.


 

فالصراع إذن ليس ضد الدين، ولكنه ضد تغول الدولة أو محاولتها أن تتقمص دور الإله تحت أي مسمى ديني أو قبلي أو قومي أو إيديلوجي.


 

والخوف أيضاً ليس من الدين، ولكن يأتي الخوف كل الخوف من أن تجلس مجموعة من الموظفين على مقاعد الحكم، ليحكموا باسم الإله، وينفردوا بتفسير كلماته، ويحتكروا الحقيقة والفتوى، والسلطة والبلطة، والخطأ والصواب، والثواب والعقاب، وهم ليسوا بمنزلين أو مبعوثين أو مرسلين من الله أو مفوضين في التحدث باسمه.


 

إننا اليوم نعاني من تغول حكومات ونظم يفترض أنها مدنية، ومع هذا فهي تسيء استخدام السلطة لتقمع بها المواطنين وتغتال حرياتهم، فتخرج المظاهرات وتنتظم الإضرابات ويقاضي الناس فرادى وجماعات مثل تلك الحكومات، فما بالك عندما تتدثر مثل تلك الحكومات أو غيرها بعباءة الدين، وتدعي أنها تتحدث باسم الله زوراً وبهتاناً، وعندها تطلق الفتاوى بالردة والمروق عن الدين على من يعارضونها، وتستحل دمائهم، وقد فعلت تلك الجماعات والمنشقون عنها ذلك حتى من قبل أن تعتلي سدة الحكم، فكفرت المجتمع، واغتالت الأدباء والمفكرين، واستحلت دماءهم، ويمكننا أن نتصور ماذا يكون الوضع عندما تصبح السلطة في يد مثل تلك الجماعات:


 

سيف في يمينها، وسيف في شمالها، والكتاب تحت إبطها، والعمامة فوق رأسها، فلن يستطيع مواطن أو جماعة أو حزب أن يقف أمامها !!


 


 

إن هذه المعركة، ليست معركة ضد الدين، ولكنها معركة ضد الدولة الإله، الدولة الغاشمة التي تتقمص دور الإله زوراً، فالله هو الله، والدولة هي في النهاية مجموعة من الموظفين محدودي القدرات، لا يمكننا أن نعهد لهم بحرياتنا أو بالوصاية على أمور حياتنا الشخصية أو محاسبتنا على سلوكياتنا الدينية. على من يتولى الحكم أن يجتهد في إصلاح التعليم والصحة والخدمات والعدل والأمن وهذا يكفيه، أما سلوكياتنا وعباداتنا وعقائدنا وأفكارنا، فمن مراقبتها نحن نعفيه، ونعهد بهذه المهمة لصاحبها الأصلي، وحكمه نرتضيه:


 

الله سبحانه وتعالى.


 


 


 

نشر في

مطبوعات ليبرالية

الليبرالية في العالم العربي

رؤى وتصورات لسياسيين عرب

الطبعة الأولى 2009

المحروسة للنشر بدعم من مؤسسة فريدريش ناومان

‏ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook