الثلاثاء، أغسطس 12، 2008

Archive 2006 - Judges Club Standoff

من أرشيف 2006

المواجهة مع نادي القضاء

و

فخاخ الشرعية


نقطة اللا عودة
من المخيف أن نرى النظام في وضع مؤسف من التخبط والذعر، والانفصام بين الحزب الحاكم والحكومة التي تحكم باسمه، ولجنة الحكم التي تحتكر القرار دون دراية بمعطيات الأمور، وأجهزة الأمن التي تتلقى تعليمات متضاربة مرة بالسحل ومرة بالتسامح. وكل هذا التخبط والمرض مصحوباً بحالة من الإصرار على إنكار العلة من الأساس والتعامل مع المشاكل الخطيرة التي تنزلق فيها البلاد باعتبارها غير موجودة.

فخ الشرعية المؤسسية
النظام يقع في فخ الشرعية الذي نصبه لنفسه بمساعدة القوى السلفية والوهابية التي طالما استخدمها كذريعة للاستبداد والقمع، فعلى المستوى السياسي، لدينا في مصر كيانين فقط، هما الحزب الحاكم وجماعة الإخوان. والأول وهو الحزب الحاكم هو كيان ضخم أجوف، يتحكم فيه شخص واحد يحتكر القرار وجميع القنوات التي تصل بين صاحب القرار ومستشاريه، وهذا السلوك الاحتكاري في السياسة ليس بجديد على نفس الشخص الذي احتكر واحدة من أهم السلع الاستراتيجية والتي تدخل في جميع أوجه الصناعة والتشييد. وهو مع تقديرنا لنجاحه الرأسمالي السريع أو تحفظنا عليه، لا يمتلك أية رؤية سياسية أو رصيد شعبي أو حس جماهيري من أي نوع، وهو شخص متعال بطبعه، بما ينفر الآخرين الذين يتعامل معهم بمنطق سلطوي قد يكون طبيعياً بالنسبة له كصاحب عمل في صناعة احتكرها لنفسه، ولكنه ليس مقبولاً في الممارسة السياسة التي تحتاج للإقناع والقدرة على تحريك الجماهير وإلهامها نحو إصلاحات قد تكون في مرارة الدواء الذي لا مفر من تناوله. والكيان السياسي الحاكم الذي يديره بحرية ودكتاتورية كاملة هذا العبقري المحتكر هو كيان يفتقد الشرعية وتاريخه المؤسف الطويل يجعله اليوم بعد محاولات عديدة للإصلاح أشبه بمن يحمل أثقالاً مريرة وسمعة سيئة أكسبته كراهية الشعب على مدى عقود طويلة، حتى افتقد المصداقية والثقة، وأصبح غير قادر على أن يكمل المسيرة فضلاً عن أن يقودها، وهو فاقد الشرعية بحكم مولده من رحم السلطة، ونشأته الشمولية التي تحفل بالتزوير المفضوح والمستتر للاستمرار في الحكم، والفشل في تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم للبسطاء. لقد استنفد هذا الكيان الغرض من تكوينه وبات عبئاً ثقيلاً على الوطن وعلى أعضائه، الذين يشعرون أنهم يفتقدون احترام الشعب لمجرد انتمائهم له، رغم ما قد يمتلكونه من خبرة أو مهارة أو نية صادقة لخدمة الوطن. ومما زاد الطين بلة أن ينقلب النظام على أهم سلطة فيه، وهي السلطة القضائية، فيتعنت معها وينزلق نحو مواجهة خطيرة قد تسحب منه آخر أهداب الشرعية بما يمثله هذا من خطر داهم على الشرعية يفتح الباب أمام احتمالات لا نتمناها للوطن.

والكيان الثاني، وهو الجماعة الشهيرة بالمحظورة، هي جماعة يرفض النظام أن يمنحها الشرعية، ولكنه يتركها تعمل بحرية تحت الأرض وفوقها، حتى سيطرت على النقابات والعمل الاجتماعي والسياسي، في غياب أي قوى سياسية أخرى نتيجة لمحاولات الإخصاء المستمرة التي يمارسها النظام لتدمير وتفتيت أي أحزاب أو قوى سياسية مدنية. وهذه الجماعة هي تنظيم عالمي له فكر خاص به، وهو فكر متعدد الأوجه، يتراوح بين التسامح والعصرية التي تبذل قياداتها جهداً محموداً في إظهارهما في خطابها الإعلامي، عدا هنات عابرة، تكشف بتلقائية مكنون الأنفس في بعض الأحيان، وبين فكر متشدد وعاطفة دينية ملتهبة تجيش بها صدور الأعضاء بمرجعية مطلقة قد تصطدم مع الطبيعة النسبية والتفاوضية للعملية السياسية. ومهما كان من أمر، فبيت القصيد هنا أن الدولة لا تعترف بالجماعة وتعدها جماعة محظورة وغير شرعية.

وبهذا فإن الكيانين السياسيين الموجودين حالياً، يعانيان من شرعية منقوصة بصورة لا شك فيها.

فخ شرعية السلطة
وفي نفس الوقت، ونتيجة لما ناقشناه من هشاشة شرعية الحزب الحاكم أو انعدامها، علاوة على التزوير المستمر والتلاعب في أسس العملية السياسية، تفتقد السلطتين التشريعية والتنفيذية الشرعية التي تمكنهما من قيادة البلاد بالصورة المرجوة، بما يمثله هذا من خطر على استقرار البلاد. ولعل السلطة الوحيدة التي لا يشكك أحد في شرعيتها هي السلطة القضائية بحكم طبيعة عملها وتكوينها، ولكن الأحداث الأخيرة جعلت هناك صراع بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية حول "من يمثل السلطة القضائية؟"، فبينما يرى القضاة أن مجلس إدارة ناديهم المنتخب هو أصلح من يتولى مهمة تمثيل السلطة القضائية، تحاول السلطة التنفيذية أن تزعزع من شرعية هذا الكيان، بمختلف الطرق الإدارية والسياسية، لأنها في النهاية تريد من السلطة القضائية أن تكون خاضعة بصورة ما للسلطة التنفيذية، أو بالتحديد لرئيس الجمهورية، الذي يرفض بالممارسة أن يقتصر دوره على قيادة السلطة التنفيذية، بل يريد أن يصبح رئيساً للسلطات الثلاثة، وهو أمر قد يكون مقبولاً بصورة رمزية أو شرفية، ولكنه غير منطقي إذا ما حاول الرئيس أن يسيطر على السلطات الثلاثة بصورة فعلية، لما يمثله هذا من إهدار ضمانات الفصل بين السلطات والرقابة والمحاسبة، ويكرس السلطة المطلقة في يد الرئيس وهو ما لا يتناسب مع مفهوم الدولة الدستورية الحديثة. وقد وصلت المواجهة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية إلى منعطف خطير بالمماطلة في إصدار قانون استقلال السلطة القضائية، ثم ما رأيناه من محاولة عقاب القضاة الشرفاء الذين فضحوا تزوير الانتخابات، رغم أن الرقابة على الانتخابات هو واجبهم الأصيل الذي أناطه بهم الدستور، وبدلاً من أن يقوم النظام بمحاسبة المزورين، يقوم بمعاقبة من كشفوا التزوير، بما يمثله هذا من اعتداء على الشرعية وتكريس للفساد. وعندما يدين النظام السلطة القضائية ممثلة في بعض أعضائها الشرفاء، فإنه بهذا يهدم شرعيته هو من الأساس، لأن العدل هو أساس الحكم، وتعطيل العدالة بالتالي يهدم أساس الحكم. وقد يخشى النظام من الاعتراف بتزوير الانتخابات لما يمثله هذا أيضاً من إهدار لشرعية السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكن الاعتراف بالتزوير في بعض الدوائر ومحاسبة المتسببين فيه، مهما كان صعباً على النظام أن يتقبله، فهو في النهاية يحفظ له بعض الشرعية ويقي البلاد شرور الانزلاق في مستنقع الفوضى.

‏ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook