الجمعة، أكتوبر 24، 2008

Archives 2003
Egyptian Pound: Float or Sink


الرسوم المسيئة

من أرشيف 2003

مجلة "معاً"

بمناسبة الأزمة الاقتصادية العالمية التي نمر بها الآن، تذكرت موقفاً مشابهاً تعرضنا له في مصر في يناير 2003 مع قرار تعويم الجنيه المصري.

وكنت في عام 2002 قد أسست مجلة لجمعية "شباب الأعمال" EJB تحت عنوان "معاً". وكنت أنا أحد مؤسسي الجمعية منذ عام 1993، وخلال أعوام 2000 - 2004 كنت عضواً بمجلس إدارة الجمعية ومقرراً للجنة الميديا. وفي الواقع بدأت المجلة كنشرة غير دورية أو Newsletter ولكننا في لجنة الميديا صممنا أن تكون المجلة على مستو عال من الحرفية الصحفية، فبذلنا مجهوداً كبيراً في الإعداد لها واستغرقنا عدة شهور في البحث عن اسم مناسب وتطوير صيغة صحفية مناسبة. وكانت هناك اسماء كثيرة مقترحة وعندما اقترحت عنوان "معاً" كان غير تقليدي بالمرة أن يأتي اسم مجلة أو صحيفة في صورة "حال" مع غياب الجملة أو الفعل، ولكن الزملاء أعجبوا بالاسم وبدأنا العمل بدون محررين محترفين تقريباً، وجاءت المادة كلها من مشاركات من أعضاء الجمعية.


وفي يناير 2003 ومع قرار تعويم الجنيه المصري الذي جاء متأخراً حوالي 8 سنوات من العند الحكومي، أصدرت الحكومة القرار ولكنها في نفس الوقت اصدرت تعليمات من نحن الترابيزة للبنوك بعدم بيع العملات الأجنبية للجمهور، فجاء هذا بمثابة قرار بتغريق الجنيه لا تعويمه، ومن هنا جاء العدد الجديد من مجلة معاً والمقال الافتتاحي تحت عنوان "الجنيه المصري: تعويم لا تغريق". وأعددنا غلافاً رائعاً للمجلة بريشة الفنان ياسر جعيصة يصور النظام في وضع الإبحار الذي تراه في الصورة، كما ساهم الفنان ياسر جعيصة والفنان اسامة أبو العلا بعدة رسوم كارتونية أخرى تعلق على هذا الموقف الاقتصادي بريشة ساخرة.

وكان تقديرنا أن غلاف هذا العدد سيأتي بمثابة "قنبلة" تجعل مجتمع الأعمال في مصر كلها يتحدث عن المجلة وعن الجمعية بصورة تؤكد دورها في متابعة القضايا الاقتصادية بصورة متحررة وجريئة، بما يدعم الاهتمام بالجمعية ويدعم تنمية العضوية بها.

وقبل إصدار العدد، رأيت من باب اللياقة أن نطلع مجلس الإدارة على الماكيت، وبالفعل بعثت بالماكيت مع المنسق الإعلامي للجمعية، وما أن رأى الصديق " ... ..." - وكان وقتها رئيس مجلس إدارة الجمعية - ماكيت الغلاف، ثارت ثائرته وأصر أنه إما هو وإما صدور هذا العدد بهذا الغلاف "المستفز" على حد تعبيره.


وأسقط في يدي، فلم يكن سهلاً على نفسي أن اقوم بتغيير الغلاف الرائع أو أن أقبل الرقابة على مادة صحفية قمت بالاشتراك في إعدادها، ولكنني بعد تفكير قصير أدركت أن رجال الأعمال سواء كانهوا شباباً أم كهولاً لا يمكن أن يقبلوا بالصدام مع النظام بهذه الطريقة، لأن في النهاية لهم مصالح لا يمكن أن يقبلوا المخاطرة بها. وصدرت المجلة بدون الغلاف، وفي الأعدلد التالية استمرت المضايقات "الأمنية" والتعليقات حول الأغلفة وما يجب أن يكتب وما يجب أن يحذف، ولكنني في الأعداد التالية استطعت أن أقنع بعض زملائي داخل مجلس الإدارة والجمعية بوجهة نظري وقناعتي، بأن وجود مجلة قوية ومستقلة ومتوازنة مهم للجمعية ويساعد على تنمية العضوية ويفيد أيضاً من هم في موقع صنع القرار الاقتصادي، عندما يستمعون للرأي الآخر، فجاءت العديد من الأعداد التالية بمقالات قوية مثل "البحث عن رؤية" الذي كان له صدى قوي وأعيد نشره في صحيفة المصري اليوم على صفحة كاملة، وكان من أوائل المقالات التي تتناول ضرورة التغيير الدستوري وتداول السلطة وتتناول مؤسسة الرئاسة بصورة مباشرة، حيث كان العرف وقتها هو نقد الوزراء ورؤساء الوزراء دون ذكر الرئيس من قريب ولا من بعيد، وكذلك كان من الممنوع استخدام كلمة "التغيير" في أي مقال، فجاء تلك المقال في يونيو 2004 يحمل عنواناً فرعياً "التغيير الآن"!

وفي كل الأحوال ورغم الشد والجذب، استمتعت برئاسة تحرير مجلة "معاً" إلى أن تركتها في عام 2006 بعد إصدار ما يقرب من 10 أعداد.

وفي الواقع تحولت جمعية شباب الأعمال للأسف في أغلبها إلى تابع للحزب الوطني، واصبحت الذراع الاقتصادية للجنة السياسات، وفي المقابل نال الكثير من أعضاء الجمعية الحظوة لدى الحكومة وعينوا في مراكز مهمة في الوزارات والبنوك الكبرى ومؤسسات التنمية الصناعية والتكنولوجية وتحديث الصناعة ومجالس إدارات شركات قطاع الأعمال وغيرها، كما حصل الكثيرون على المكافآت السخية من أراض بسعر التراب وامتيازات لإقامة المدن الصناعية Industrial Estates ومشروعات أخرى ببلايين الجنيهات بالأمر المباشر وإنا لله وإنا إليه راجعون على زمن البراءة في الجمعية التي بدأت بمجموعة من الشباب الذين كانوا يطمحون في الإصلاح، تسلل إليها المتسلقون والباحثون عن التربح من القرب من السلطة ليضخوا في عروقها فيروس الفساد المركز ويفتحوا الأعين المغمضة على ضرورة "استغلال السلطة".

على أي حال، اضع بين أيديكم هذه الرسومات التي رأى البعض أنها "مسيئة" إلى النظام ورموز النظام وأترك الحكم لكم عليها وعلى هذا المقال الذي أوحى بتلك الرسومات المسيئة، وأرجو أن تستغفر الله قبل وبعد قراءة المقال ومطالعة الرسوم المسيئة.






الجنيه المصري ...

تعـويم ... لا تغـريق!

أول درس في العوم هو الثقة. الثقة في النفس، والثقة في مدرب العوم، والثقة في رجل إغريقي توفي منذ آلاف السنين اسمه أرشميدس، وفي نظرية الطفو التي اكتشفها، والثقة في أن الماء سمع عن تلك النظرية ويوافق على تنفيذها حتى في أوقات العطلات الرسمية، وهي الأوقات التي عادة ما نعوم فيها. وقبل كل شيء، لابد من رسوخ الثقة في الله سبحانه وتعالى، وفي أن حوض السباحة خال من أسماك القرش ماركة الفك المفترس، لعن الله ذلك الفيلم الذي لا زال يرعبني شخصياً فور أن يمسني الماء، بما في ذلك ماء البانيو أو عندما أشرب بعد تناول حبوب دواء الضغط، الذي تحالف مع الدولار في ارتفاعه، ونتج عنه التهاب في الجيوب الخلفية الخاصة بالمحفظة، والتي تعاني أساساً من الأنيميا الحادة.

لقد سعدنا جميعاً بقرار الحكومة لتحرير أسعار صرف العملات الأجنبية، الشهيرة بالصعبة سابقاً، والمعروفة بالخفية حالياً، لأنها لا تظهر للناس العاديين، ويلزم لتحضيرها جلب كميات كبيرة من الجنيه المصري، والتوسل لشيوخ المنسر من أباطرة السوق السوداء من بختنا. ونظراً لأن ذلك القرار طال انتظاره، فقد هللنا له جميعاً، لأن تحرير سعر الدولار يضمن اختفاء السوق السوداء، ويزيد من تنافسية المنتجات المصرية محلياً وعالمياً، ويساعد على تحقيق التوازن بين الصادرات والواردات.







لقد عانى الاقتصاد من اختلال في سعر الصرف، خلال السنوات الأربعة الماضية، أدى لاستنزاف جزء كبير من احتياطي البنك المركزي من الدولار، وجاء استنزاف الاحتياطي النقدي أساساً لتمويل متطلبات الاستيراد، مما شكل تدعيماً من الحكومة للاستيراد - أي تدعيماً لصادرات الدول الأخرى – طبعاً لأننا أولاد عز وجميعاً من بيوت كرم ونحب نجامل الغرباء.

وفي الفترة من 1998 إلى 2002، عندما بدأ البنك المركزي يشعر أن استـنـزاف احتياطي النقد الأجنبي قد أصبح اتجاهاً ثابتاً، وأن ما يحدث ليس مجرد اهتزازات في السوق صعوداً وهبوطاً، بدأ "يقبض يده" ويتباطأ في مد البنوك والأسواق باحتياجاتها من العملات الأجنبية، مما أدى لنقص خطير في العملة الأجنبية، ومع سياسة "التسعيرة الجبرية" لسعر الصرف، فقد عادت السوق السوداء لتطل علينا برأسها القبيح ذي القرون، ونظراً لإغلاق معظم شركات الصرافة، فقد بدأ يظهر سوق العملة البيتي، "ولابد أن تتذوق قطعة من صينية المكرونة بشاميل صنع أيدي المدام ولا ليك علي حلفان" قبل أن تحصل على العشرة آلاف دولار المطلوبة لزوم استيراد قطع الغيار أو مستلزمات الإنتاج. يعني خراب بيوت ووجع بطن.

ولذلك، هللنا جميعاً عندما سمعنا بأخبار تحرير أسعار الصرف، وهو ما سمي بتعويم الجنيه. ولكن لأن قليل البخت يبتلى بالعظم في الكرشة، فقد رمت الحكومة الجنيه بنية تعويمه، ثم يبدو أنها غيرت رأيها، ربما لأن الدنيا شتاء والمياه ساقعة جداً مثل الدش البارد الذي نزل على رءوسنا جميعاً، وربما لأن الحكومة نفسها لا تعرف العوم، أو لا تثق في أن الماء قد سمع عن قانون الطفو الذي أطلقه عم أرشميدس.


وبالمناسبة، فإن ثاني درس في العوم هو ضرب الماء بهدوء وتناسق والابتعاد عن التضبيش. فالتضبيش يرهق العضلات ويصيب المضبشاتي بكرشة نفس، تنتهي به إلى التعب والاستسلام فالغرق والعياذ بالله.







ورغم قرار التعويم، فقد ظل الدولار من العملات الخفية مثل الأشباح، ويا خفي الألطاف نجنا مما نخاف. واتضح أن موضوع التعويم "بكش" وأن السوق السوداء قد أصبحت مثل أمنا الغولة لا ترحم أحداً، فزاد سعر الدولار من 5 جنيه لما يقرب الـ 7 جنيهات، مما يعني أن صينية المكرونة سوف تكون محشوة باللحمة المفرومة. أما اليورو، فحدث ولا حرج، فقد أصبحت عملية استحضاره تتطلب البخور الهندي والعنبر مع خصلة شعر شقراء، أوروبية المنشأ.

وهنا لابد من وقفة ... فالدولار منذ شهر كان سعره في السوق السوداء 5 جنيهات وربع، ووجوده في السوق السوداء بهذا السعر، يعني أن الناس كانوا يبيعونه ويشترونه بنفس هذا السعر ولمدد طويلة وبمبالغ كبيرة ... إذن ذلك السعر كان سعراً واقعياً ... لماذا الآن يرتفع الدولار إلى 7 جنيهات في شهر واحد؟

إنها الثقة. أو بالأصح ... انعدامها. فعندما نسمع عن التعويم، ثم لا نستطيع الحصول على العملات اللازمة للاستيراد، فتأثير ذلك خطير. إن كلمة "تعويم" لها مدلولات كثيرة جدية وخطيرة الأثر، ولا يمكن إطلاقها بسهولة، وعندما تعلنها الحكومة ثم لا تدعمها بقوة، هنا تهتز الثقة في تلك الكلمة وفي أي كلام آخر. هنا أقول أن فرق انعدام الثقة قد أصبح 2 جنيهاً لكل دولار.


ومع الشرخ في الثقة، انطلق الناس يكتنزون الدولار، وأصابت حمى الدولار المقاولين، والمرتبطين بعقود طويلة الأجل، والذين يعانون من مديونيات بالعملات الأجنبية، والمستوردين، بل والمدخرين وغير المدخرين.


ما هذا السلوك الهمجي؟

هل مصر محل خردوات إذا أصابه الركود سوف نغلقه ونحصل على الجدك أو "خلو رجل"؟ ماذا يفيدنا اكتناز الدولار إذا انهار اقتصادنا والعياذ بالله تحت وطأة هذه التصرفات الغوغائية؟ ألا تكفينا البرطعة في الشوارع وكسر كل قوانين وإشارات المرور، سواء الضوئية أو الصوتية، أو الجسدية أو الخرسانية؟


هل هان علينا مستقبل أولادنا؟ أو بالبلدي، هل "شفنا شوفة" أخرى؟ هل ننوي جميعاً الهجرة؟ وإلى أين يا حسرة؟ المصريون والعرب والمسلمون يعانون الأمرين في كافة دول المهجر، من أخذ بصمات أصابع الأيدي وقريباً الأقدام، إلى خلع الأحذية والتفتيش الذاتي في المطارات بدون سبب. يعني لابد أن نعرف أننا سوف نعيش هنا وسنموت هنا أيضاً.


إذا ضاق الإنسان بمسكنه، أو لم تعجبه شقته، فإنه ينتقل لسكن آخر أي "يعزل". هل أنتوينا أن "نعزل"؟ هل نخطط لترك مصر لآخرين يأتون ليعمروها ويستخرجوا من طينها الذهب الذي عجزنا عن رؤيته بسبب ضعف النظر المزمن الذي أصابنا، تحت تأثير الغشاوات والضلالات التي نتجت عن الأنانية وعدم وضوح الرؤية وغلوشة الصورة؟ الصورة الكبيرة التي قوامها أن المصلحة العامة هي أساس المصلحة الخاصة؟




هل نتكالب على الدولار ونترك الجنيه يغرق؟ ماذا يحدث لنا وأي شياطين مستنا وسكنت أرواحنا؟

هل نسينا ما هو الجنيه؟


الجنيه المصري؟ المصري.


الجنيه المصري لمن نسى، هو وعاء لقيمتنا، فإن بخسناه ضألت قيمتنا جميعاً. وهذا ليس كلاماً عاطفياً. الجنيه يا سادة هو وعاء تقويم إنتاجنا، أي حساب القيمة التي يضيفها كل منا في عمله وللاقتصاد الوطني. الجنيه "المصري" ليس مجرد ورقة بنية مرسوم عليها جوامع أو نقوش فرعونية.

الجنيه المصري رغم العرق والقذارة وبقع الزيت، هو رمز لقيمتنا الاقتصادية، فإذا هانت علينا أنفسنا، فلنهجره ونتكالب على الدولار، ومن لا يستح فليفعل ما يشاء.


نعم، نحن مع صرف الجنيه بسعر واقعي، يساعد منتجاتنا الوطنية على المنافسة محلياً وعالمياً. نحن مع وصول الدولار لسعر يضمن اتزان العرض والطلب بين الموارد والاستخدامات. نعم، إن ارتفاع سعر الدولار وارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة يضمن أن تقوم آليات السوق بالحد من الاستيراد وتشجيع التصنيع المحلي. ليس من المنطقي أن نستورد الفول المدمس من حدائق كالدونيا، ونشتريه بسعر أقل من الفول المدمس المصري. أولاً هذا معناه أن هناك خطأ ما في عوامل تكلفة التصنيع في مصر بالمقارنة بالدول الأخرى. قد تكون المشكلة في سعر العملة، أو في البيروقراطية، أو المصاريف الخفية، أو غيرها. ولكن هناك شيء خطأ. ببساطة لأن الفول المدمس اختراع مصري، ولأن حباته ضخمة الحجم وسعر شحنه عال، ويخضع للجمارك. فكيف يمكن أن يباع بسعر أقل من أو يقارب مثيله المصري؟


ماذا نفعل الآن؟


علينا جميعاً أن نعود لرشدنا وبسرعة.


دعونا نعقد اتفاقاً بين رجال الأعمال والمواطنين والحكومة والوطن. علينا جميعاً كمصدرين ومستوردين أن نقصر تعاملنا على القنوات الشرعية، علينا أن نقول "لا" للسوق السوداء، أن نبيع حصيلتنا الدولارية في البنوك ونصر على فتح اعتماداتنا من البنوك أيضاً.


وعلينا كمواطنين أن نبتعد عن الارتباك والفزع واكتناز الدولار.


وعلى البنك المركزي أن يقرر، إما الاستمرار في التعويم، وبالتالي الوقوف خلف القرار بقوة وتشجيع الوصول لاتزان بين العرض والطلب عند أسعار صرف واقعية ومعقولة، أو التراجع عنه بصراحة ووضوح وهو ما لا نتمناه.


ومرة أخرى نذكر الجميع، من يريد العوم فعليه أن يثق بالماء.



وائل نوارة

فبراير 2003







‏ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook