الخميس، مايو 17، 2012

The Challenge of Survival : Enemy within




مشكلة البقاء: العدو داخل الأسوار

  بقلم  : وائل نوارة   المصري اليوم - نشرت ٢١/ ٩/ ٢٠١٠

رأينا كيف أدى الانتخاب العكسى، أو المقلوب، إلى تلويث قيم المجتمع وسيادة مبدأ «البقاء للأفسد»، وهو عكس المبدأ الطبيعى «البقاء للأصلح»، وأن ما ينتج عن ذلك هو أن نفشل فى تحقيق التطور الطبيعى فنتدهور بينما يتقدم من حولنا، ورأينا كيف استفحلت المشكلة على كل المستويات وفى المؤسسات كافة وليس فقط فى المجال السياسى. وفى ضوء التنافس المستمر مع المجتمعات والأمم الأخرى، نخوض نحن معركة خاسرة مقدماً، بينما تقودنا نخبة مضروبة- تضم أسوأ عناصر المجتمع- نحو هزائم وأصفار حتمية، مع تفشى حالات الفشل العام والخاص.

وبما أننا نتبنى منهج محاكاة الطبيعة البيولوجية فى التحليل، اسمحوا لى أن أستعير فكرة الجينات أو DNA، الذى يتحكم فى خصائص الكائنات الحية، ويحمل الشفرة الوراثية لكل فصيل بكل ما تعلمته الأجيال السابقة من دروس التواؤم مع البيئة من أجل البقاء. الثقافة بالنسبة للأمم والشعوب والحضارات مثل الـ DNA بالنسبة للفصائل الحية.

 وعندما أقول الثقافة Culture هنا، فأنا لا أقصد المعنى الذى يدل على الآداب والفنون والعلوم، بل أتحدث عن المفهوم الأنثروبولوجى للثقافة، وهو أقرب لفكرة «طريقة الحياة»، حيث تشير الثقافة طبقاً لهذا التعريف إلى مجموعة القيم والسلوكيات، والعادات والتقاليد، ونظم التفاعل الاجتماعى، التى يطورها ويتبناها مجتمع ما، باعتبارها تحمل فى طياتها الحل الجماعى لمشكلة البقاء، بقاء المجتمع أو الجماعة أو الأمة.

هل لدينا مشكلة فى البقاء؟ لعل الأمة المصرية من الأمم التى حباها الله بقدرة متميزة على البقاء رغم كل شىء. مر عليها المحتلون والغاصبون والجباة والبلطجية والمستبدون من كل ملة، وصمدت فى امتحان البقاء. ولكن اليوم، يشعر البعض– أو الكثيرون– منا بصورة غريزية بحلول أو قرب حلول مشكلة ضخمة تهدد بقاءنا بصورة خطيرة. الدليل على هذا نراه فى الأبحاث التى تشير إلى أن نسبة ضخمة من المصريين يفكرون فى الهجرة بصورة أو بأخرى، ونراه فى أنفسنا وفى كيف ينظر كل منا لنفسه وغده وأبنائه بقلق متزايد. لا أتحدث هنا فقط عن نزاعات حوض النيل– ومصر هى هبة النيل– وما يمكن أن تؤدى إليه، أو عن خطر أن ينفجر الشريط الأخضر الضيق بنا وبمن نحب تحت وطأة النمو السكانى والازدحام العشوائى فتتحول مصر لمقبرة بحجم الدولة، فكل هذه المصائب والكوارث هى فى الحقيقة أعراض للكارثة الحقيقية، وهى أن ثقافتنا– طريقة حياتنا– منظومة القيم التى تتحكم فى سلوكياتنا وعاداتنا وتقاليدنا ونظمنا ومؤسساتنا، لم تعد مناسبة لتحديات البيئة التى تحتضننا.

فى لحظة مصارحة مع النفس، لابد أن ندرك أن مستقبل أولادنا محاط بتهديدات تبدو خارجية، لكن منبعها فى الحقيقة داخل كل منا. الخطر يدق على الأبواب، ولكن العدو داخل الأسوار.

أبناؤنا يسافرون إلى الخارج فليتحقون بمنظومات سوية، يبدعون فيها ويتميزون وينجحون، رغم أن هروبهم من مصر علامة على أنهم لم يستطيعوا النجاح فى الوطن. ملايين المصريين الآن يتبنون الحل الفردى، سواء بالهجرة أو بالسكن فى مستعمرة مخلقة عالية الأسوار، غريبة عن البيئة المحيطة بها. على قدر نجاحنا فى الحل الفردى، لم نجرب الحل الجماعى.. أن نعمل على تغيير هذا الوضع المتردى معاً. وهو لن يتغير إلا إذا عملنا معاً على تغييره.

أتذكر تجارب كثيرة، عندما يختلف السكان فى إحدى العمارات على المشاركة فى المنافع العامة، صيانة العقار والمصاعد، كهرباء ونظافة السلم، وغيرها من أشياء بسيطة، وتتفاقم المشكلة، فتصطخب العمارة بالزبالة والقذارة، وتتدهور حالة المصاعد والمنافع العامة، وبينما يجتهد كل ساكن فى تجميل شقته من الداخل، لا يمكن أن ينفصل عن المرافق المشتركة التى تحدد فى النهاية جودة الحياة فى هذه العمارة.

هذا هو الوضع الحالى، تسرب الفساد لأساس البناء، امتلأت طرقات وممرات العمارة بالزبالة والقوارض والحشرات، تدهورت أحوال البنية الأساسية الدستورية والإدارية والتشريعية فى مصر، عجز الموهوبون عن العمل والكسب، وضعنا العوائق أمام المتميزين ليتقدمنا الفسدة، فأصبح البناء على وشك السقوط، بينما ينشغل كل منا بالتخطيط لشركته أو مؤسسته أو بيته، غير مدرك أن تدهور الوضع العام ينذر بكارثة ستنعكس– أو انعكست بالفعل- على الوضع الخاص لكل منا.

نحتاج لأن نغير بسرعة من هذا الوضع المأساوى. نحتاج لأن يصبح كل منا هو التغيير الذى ننشده. لابد أن نستعدل الأوضاع المقلوبة، أن نعمل على تقويم أو إسقاط أو مقاطعة المؤسسات التى تعمل بطريقة الانتخاب العكسى.

نحتاج أن نحترم وندعم التغيير والتطور الذى هو منهج الكون. أن نحترم الانتخاب الطبيعى الذى هو طبيعة الحياة. أن نعلم أن للسن أحكاماً، وأن صبغ الشعر وشد الجلد لا يديران عقارب الساعة للوراء. أن رتوش الفوتوشوب والتزييف والتزوير لأى صورة لا تغير الواقع.

 قد نخدع البعض باصطناع خبر أو صورة، لكننا لن نتقدم فى الواقع الملموس بمجرد ترويش الصورة على طريقة سرايا التعبيرية. لابد أن نعلم أن الإنسان هو مصدر الإبداع والثروة. وأن الموهوب هو عملة نادرة يجب أن نحافظ عليها ونستفيد من قيمتها. لابد أن ندفع بالموهوب والعامل والمتميز لأعلى المراكز فى المجتمع، ليصبح هؤلاء هم النخبة الطبيعية، فهذا ما يحمينا ويضمن مستقبل أحبائنا.

تتحدث الأم فتقول: إن كنت تبحث عن الكنز، أنا أدلك على مكانه: فى قلب كل واحد من أولادى وفى ساعديه وفى رأسه. إذا جعلت قلبه حزيناً، وقيدت ذراعيه بالسلاسل، ووطئت رأسه بحذائك، فلا تشكُ من الفاقة وسوء المآل.


ليست هناك تعليقات:

My Page on Facebook

Wael Nawara on Facebook